المعنى الواقعي للعصمة في الإسلام

أكرفيه للأبد

شعــ V I P ــاع
إنضم
21 مايو 2008
المشاركات
6,366
النقاط
0
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
وعجل فرجهم و أهلك أعدائهم اجمعين إلى قيام يوم الدين
العصمة
ميزة عدم الوقوع في القبح، أو هي ميزة عدم الإتيان بالظلم سواء للذات أو للغير.. ولذا اقترنت هذه الميزة بالإمام المختار من بين الناس، سواء كان نبياً أو رسولا أو وصي نبي مختار من الله.
فالإنسان الذي يكلفه الله تعالي بمهمة إمامة الناس في الدعوة إليه جل شأنه، بعد أن يختاره الله سبحانه وتعالى لخياراته في خلقه قائداً ومعلماً ومترجماً لوحيه وأسوة حسنة للناس في دينهم لله تعالى لابد له من العصمة.
فالعصمة هي حال القائد إلى الله والدال عليه، والمعلم الذي يعلم الناس بمواقع الحق ومواضع الضلال، فهو البشير النذير، وسبل القبح وسنن الحسن فهو يجسد وحي الله إليه إلى واقع في قوله وفعله، فهو مثال بشري واقعي لما يريد الله تعالى في الآدميين فيه أسوة لكل من يتأسى بالحسن الرباني المتجسد في الواقع، ولذا فالإمام المختار من قبل الله سبحانه وتعالى لبني البشر هو الرحمة الربانية الساعية في الأرض، مثلما هو العدالة المتجسدة.
مفهوم العصمة، والعقل
ليس من العقل القول بأن الذي يختاره الله تعالى قائدا، قد يكون خطّاءاً.. أو نقول أن الذي يختاره الله تعالى معلماً لقومه في علمه بعض الجهل، أو نقول أن الذي اختاره الله تعالى معدناً لوحيه فيه صفات يعجز معها من تجسيد ما كلفه الله تعالى الهنات.. وبالتالي فليس من المعقول أن نقول أن المختار من قبل المحسن جل شأنه أسوة حسنه يمكن أن يخطأ؛ أو يأتي منه القبيح.
لأن الذي يقول بعدم عصمة الإمام المختار إنما يتجرأ على الله سبحانه وتعالى ليس بالطعن في حسن اختياره فحسب، إنما في عبثية اختيار الإمام ومهام الإمامة، إذ مع القول بعدم عصمة الإمام المختار من قبل الله تعالى لمهام الإمامة لا معنى لتلك المهام.. فكيف يطلب من الله سبحانه وتعالى طاعة آدمي مثلنا خطّاء أو ممكن أن يأتي منه القبح، أو لا يضمن لنا التأسي به أن يكون حسنا ما تأسينا به.
إن العقل وفي أدنى حدوده يمتنع على قبول هذا الفرض الذي يدعيه الأدعياء بعدم عصمة الإمام المختار من قبل الله جل شأنه نبي أو رسول أو وصي نبي مختار.
ثم إن القول بعدم عصمة الإمام تشويش لصورة الإمام في حال يرفضها العقل جملة وتفصيلا، إذ كيف نثق بخيار الله تعالى ذاته حيث الإمام المختار هو الوسيط في نقل إرادته ومشيئته جل شأنه إلينا، إذ لا ضمان بدون العصمة في معرفة إرادة الله ومشيئته سبحانه وتعالى فيما يكون عليه الآدمي في كل أحواله، بل في كل نفس يتنفسه الإمام المختار.. لذا فالعقل الذي يعتبر عدم عصمة الإمام المختار، أو ينفي ضرورة العصمة مطلقاً، إنما هو عقل سقيم بالعقد فهو ليس سليم وهو جحود مبطن بقلب زائغ إذ القلب مركبة في حصول العقل.. فنفي العصمة فيه ثغرة خبيثة للطعن في دين الله تعالى بنسبة القبح إلى خيارات الله تعالى .. ثم إن في نفي العصمة تبرير لارتكاب الجرائم والظلم والقبح باسم الدين من قبل الذين نصبوا أنفسهم بدلاء للأئمة المختارين، مثلما هي سبيل للتقول على الأنبياء والتجرؤ على دينهم. فنفي العصمة هي نفي مبطن للدين ومن أخبث وأخطر العقائد في دين الله هي القول بعصمة مجزوء للإمام أو النبي (صلى الله عليه وآله) ، لأن نفي العصمة مطلقاً لا سبيل إليها عند أصحاب العقول، وتجزئة العصمة، هو أسلوب الطاعنين والجهلاء للتوفيق بين ما يريدون من خبث وبين ما يريده العقل السليم في ضرورة العصمة.
التفاته
وهناك التفاته أخرى يمكن أخذها بنظر الاعتبار في حساب القول بالعصمة أو نفيها.. وذلك لأن القول بالعصمة يعني تكليف رباني على أرباب العقول والمتكلمين يحصرهم ويحاصرهم في عقائدهم، فالقول بالعصمة يتطلب عقيدة تغطي كل العقائد الأخرى في دين الله وتهيمن عليها، وعدم القول بالعصمة كضرورة لدين الله تعالى يفتح الباب واسعا جدا لبيع الكلام والسفسطة والبروز في لمة الفلسفة. لأن الإيمان بضرورة العصمة عقيدة تمجد الأئمة المختارين وتجعل منهم مرجعا لا يجوز تجاوزه فهم في مقام من النفس المؤمنة لاتطاله الأوهام بقبيح، لذا نجد أن بروز العادين واضح وكشف الخارجين على الدين الحق يسير، بسبب أن القول بعصمة المعصوم دون عقيدة بذلك لا يكفي في منع البعض في التطاول على الأئمة المختارين في نسبة القبح أو الظلم إليهم (عليهم السلام).
العصمة وأصناف الخلق
تقع المخلوقات أمامنا في ثلاث أصناف هي:
1ـ المخلوقات المادية المجردة، التي تقع بدورها في ثلاث أصناف
هي العناصر: مثل الهيدروجين والأوكسجين والحديد والكالسيوم..الخ.
والمركبات: مثل الماء والملح، والسكر.. الخ.
والمخاليط: مثل الهواء والزجاج والنفط والتراب…الخ.
2ـ المخلوقات الحية وهي التي تقع بدورها في ثلاث أصناف هي:
الأحياء المجهرية: مثل الفيروسات، والبكتريا، والجراثيم..الخ.
والنباتات: مثل الأعشاب والأشجار ..الخ.
والحيوانات: مثل الحشرات، والفقريات، واللبائن..الخ.
3ـ الأحياء العاقلة: مثل الإنسان والجن والملائكة.
ففي الإنسان تجتمع كل أصناف الخلق المادة لبناء جسمه ومميزات الحياة لحياته، ومميزات الروح الربانية لعقله.
فالإنسان موجود حي عاقل، أي أن التراب الذي يتكون منه الآدمي يضم ـ بما هو مخلوط ـ كل أصناف الوجود المادي المجرد، ويضم ـ بما هو كائن حي ـ أرقى مميزات الحياة في كل أصناف الأحياء، ويضم ـ بما هو معدن لروح الله تعالى التي نفخها في خلقته ـ العقل الذي هو ميزان بين غرائز الحيوان في نفس الإنسان ككائن حي وبين إرادات الروح الساعية إلى الحسن الرباني لتحقيقه ضمن سنن الكون كله.
والحقيقة هي أن المادة المجردة هي كل شيء يشغل حيز في الفراغ وله كتلة.
أما الحياة، فهي نظام يلج المادة ويمنحها التلقائية في الحركة ومميزات الحياة من تغذي وتنفس وإفراغ وإبراز ونمو وتكيف ويجعلها قادرة على التوالد والموت.
والموت ليس له تعريف بيولوجي، ولكنه نقله في سنة تواصل الحسن في الخلق.
أما العقل: فهو تعبير سلوكي أو لغوي لحال النفس الإنسانية إزاء أي موقف هي فيه. إذ هو محصلة لقوى الغرائز الحيوانية في نفس الآدمي مع نشاطاتها الحيوية ضد قوى الروح ونشاطات النفس العلمية.
ولذا فالآدمي بما هو مادة وحياة وعقل فهو يعاني من قصوراً في نفسه المركبة من هذه الأصناف الثلاثة:
أـ فالمادة تعاني من قصور ذاتي:
ـ فالمادة قاصرة في ذاتها عن التأثير في ذاتها ما لم تؤثر عليها قوة خارجية، فالجسم المتحرك لا يتوقف بذاته والساكن لا يتحرك بذاته ما لم تؤثر عليها قوة خارجية، توقف المتحرك، أو تحرك الساكن.
ب ـ والحياة تعاني من قصور في ذاتها:
فالكائن الحي قاصر عن التأثير في حياته ما لم تؤثر عليه قوة خارجية.. وكان هذا المبدأ غير واضح، حتى استطاع الإنسان أن يعي معاني الحياة ويكتشف شفرتها التي يتضمنها الـ(dna) في نواة كل كائن حي وبعد أن اكتشف خارطة المورثات استطاع أن يؤثر في حياة الكائن الحي ولو بقدر محدود، ويغير صفاته بعضها أو كلها.
ج ـ والعقل يعاني من قصور عقلي في ذاته:
فالعقل عاجز عن التأثير في ذاته ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تخرجه من قصوره.
وهذا المبدأ واضح في كون العقل غريزة تربيها التجارب، وكون الفشل درجة في سلم النجاح.
أما عند الأنبياء الذين يباشر عقولهم الوحي بما هو روح من أمر الله تعالى وإرادته، فإن عقولهم يرتفع عنها القصور المسبب للخطل والخطأ وتصبح العصمة دافع حياتهم دون تكليف.
فمن سنن الله تعالى الحسنه التي ألفها تاريخ البشرية، وصارت جزء لا ينفصم عن ذلك التاريخ، هي سنة إرسال الرسل والأنبياء (عليهم السلام) .. رفدهم بوحيه فرفع القصور عن عقولهم، وبذا استوفت أرواحهم كامل قوتها في النفس وهيمنت على قوى الحياة والحيوانية في نفوسهم. وبذا صارت نفوسهم مطمئنة بالمطابقة مع مضامين الحسن الرباني التي هي إرادة الله تعالى في الوحي الذي أوحاه إليهم.
إذن وضمن هذا الفهم فالرسل أصحاب عزيمة في الإرادة لا تغلبها الغرائز، فلا يقودها الهوى.
فالوحي الذي يستلمه الأنبياء والرسل (عليهم السلام) هو روح من أمر الله تعالى فهو نور الله في نفوسهم، قال تعالى:
(أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ)[الشورى: الآية52].
وبما أن الوحي روح من أمر الله تعالى ـ وأمر الله تعالى محض الحسن ـ وفي كيان الإنسان أصلاً روح من الله تعالى نفخها في خلقته حين خلقه سبحانه وتعالى.. عليه فالوحي للنبي نور على نور.
قال تعالى:
(نورٌ على نورٍ يهدي الله لنوره من يشاء..)[النور: الآية 35].
وباستقراء بسيط نجد أن في الحياة تلقائية الحركة تمثل ارتفاع القصور على المادة في الكائن الحي.
وفي الإنسان نجد أن في العقل إدراك للحسن يمثل ارتفاع القصور عن الحياة في الكيان الإنساني.
وفي النبي نجد أن في النبوة كمال للعقل في تحديد الحسن والسعي إليه والتوجيه نحوه ويتمثل في العصمة، فالعصمة تمثل ارتفاع القصور عن عقل النبي في النبوة ومعانيها.
فالعصمة إذن واقع في النبوة يتجسد في تعبيرات النبي السلوكية واللغوية، تعبيرا عن معاني الكمال الإنساني في الخلقة دون قصور. فالهداية الربانية بالوحي منه جل شأنه. تضيء نفس الرسول أو النبي بالنور على النور، فيتوضح له مضامين الحسن في سفن الله تعالى المعبرة عن مشيئته في إرادته في خلقه، فتكون له قوة إضافية في روحه ودافع عزيمة لا تنقطع في إرادته للحسن من نسخ إرادته الأصلية في خلقته تميز النبي أو الرسول بكونه بذاته رحمة للعالمين. ونظام طاعة لرب العالمين يعلم مواقع الحق ويدل عليها ويدري بمواضع القبح ويحذر منها، يعرف العدل ويحسده، ويشير إلى الظلم وينذر بعواقبه، والنبي موحد في نفسه وبما يصدر عنها، أقدر الناس على تجاوز البلاء وأعظم فيه وأصبرهم عليه، وهو بذلك أحسن البشر وأكملهم وأجملهم، فقد رفع الله تعالى القصور عن عقله، فصار أقدرهم على المطابقة الكلية كما وكيفاً بين أنماط تعلمه وأنماط السنن الحسنه في الكون، فعرف الحق من الباطل، بل وصار قادرا على منح هذه المعرفة وهذه الروح التي عنده للمؤهلين من أتباعه في كل ما يبلغ الاستجابة الحسنة للحاجات الإنسانية والإجابة الصادقة على أية مسألة يبتلى بها الناس، ومع مميزات العصمة هذه والتي أمتلكها الإمام المختار يصير كل تعبير سلوكي أو لغوي يصدر عنه إنما هو حجة على الآدميين لأنه حكم عقلي مقوم بنور الله تعالى.
فالعصمة هي دين النبي الذي يعصم به الناس إذا أحسنوا الطاعة وأتموها في ذلك الدين، والعصمة واقع يأتي بها استيفاء روح النبي مقترنة بالوحي، وهو أمر من روح الله في قوتها وثبات إرادتها للحسن الرباني بتمام معانيه، كل النفس في شخص النبي بحيث تتوجه طاقاته الحيوية في النشاط اليومي والآني باتجاهات الروح وإرادتها للحسن الرباني.. كذلك فإن غرائز نفسه ترتبط وتعقل بتلك الإرادة فلا يأتي منه الخطل في القول أو فعل وبلا تكلف، حيث هذه الحال هي واقع نفسه المقدسة.. قال تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلّفين)[ص: الآية86].
إذ العصمة واقع من تكوين المعصوم المختار وكمال الخلقة بالوحي ورفع القصور عن عقله، فهو يتصرف بالحسنى دون ثقل من حجب القصورات المادية والحياتية والعقلية كباقي الناس: يقول تعالى:
(واستعينوا بالصّبر والصّلاة وإنّها لكبيرةٌ إلاّ على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون)[ البقرة: الآية 46].
والنبي هو قادر على منح مميزات هذا الواقع من ذاته بمدد من روحه القوية.. وهو يمنح تلك المميزات أيضاً من خلال التأسي به.. لذا صار هناك في الواقع عصمتان هما: ذاتية امتدت في الذين طهرهم الله سبحانه وأذهب عنهم الرجس بإرادته. والذين اختارهم بعلمه من عترته (صلى الله عليه وآله) لمضاء سنته الحسنة في الإمامة بعد الختم للرسالة… وعصمة مسدده يحصلها العلماء الربانيون بالورع والتأسي بالمعصوم.

أما العصمة الذاتية بعد النبي (صلى الله عليه وآله) خاتم الرسالات فقد امتدت فيمن اختارهم الله سبحانه وتعالى من عترته صلوات الله عليهم ضمن سنة الإمامة الكونية التي لا تنقطع في كل زمان ومكان والتي يقررها القرآن في الآيات التالية الدالة على أبدية السنة قال تعالى:
( إنّما أنت منذرٌ ولكلّ قومٍ هادٍ)[الرعد: الآية7].
(وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)[فاطر: الآية24].
(كلّما ألقي فيها فوجٌ سألهم خزنتها أ لم يأتكم نذيرٌ)[الملك: الآية8].
حيث بالإمامة يتحقق معنى الحسن من خلق الإنسان، حيث لا معنى حسن لخلق الإنسان بدون إمام، كما لا معنى لخلق الآدمي بدون عقل. فكما يحقق العقل للآدمي المعنى الحسن لخلقه، كذلك يحقق الإمام المعصوم المعنى الحسن لخلق الناس.. وكما يكون لا معنى لخلق الآدمي مجنونا. كذلك يكون لا معنى لخلق الناس بدون إمام.
والاختيار الرباني بعد هذا، هو محض رحمة وإحسان لأنه لا يقع إلا في الأفضل من الناس فهو سبحانه (يؤتي الحكمة من يشاء)[البقرة: الآية 269].
(الله أعلم حيث يجعل رسالته)[الأنعام: الآية 124].
وهو جل شأنه يجعل النبوة والكتاب في ذرية من يشاء من رسله:
(وجعلنا في ذرّيّته النّبوّة والكتاب)[العنكبوت الآية 28].
(وجعلنا في ذرّيّته النّبوّة والكتاب)[الحديد: الآية 26]
وقد أراد الله تعالى أن يكون أهل البيت (عليهم السلام) هم المختارين، فطهرهم وأذهب عنهم الرجس، (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)[الأحزاب: الآية 33].
وأمر الناس بطاعتهم وقرنها بطاعته (أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم)[النساء: الآية59].
وكتب على الناس مودتهم (عليه السلام): (لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى)[الشورى الآية 23].
وقد أشار النبي (صلى الله عليه وآله) إلى امتداد العصمة والإمامة في عترته الطاهرة في أحاديث صحيحة ومتواترة
ولا ريب فيها ومتفق عليه نذكر منه حديثين فقط من مئات الأحاديث الشريفة هما حديث الثقلين وحديث السقيفة:
حديث الثقلين: عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
إني تارك فيكم الثقلين من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض.(السنة لابن أبي عاصم تخرج الألباني وصححه ص 337 رقم الحديث 754 وفي مسند أحمد ج5/ ص182).
وفي صحيح الترمذي والمستدرك على الصحيحين وصحة: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما(1).
وورود في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي(2).
وهذا الحديث متواتر في كتب أهل السنة، وقد روى هذا الحديث خمسة وثلاثون صحابيا وتسعة عشر تابعياً (3).
وقد صححه كثير من العلماء منهم، الطبري، الحاكم في المستدرك، الذهبي في تلخيص المستدرك الهيثمي في مجمع الزوائد ابن كثير في تفسيره السيوطي في الجامع الصغير، المناوي محمد بن اسحق وابن حجر فقد قال: (ثم أعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومر له طرق مبسوطة في الشبه).
وقد أبدلوا (وأهل بيتي) بلفظ سنتي وهو حديث باطل وموضوع من ناحية السند والمتن.
فقد روى الحاكم في المستدرك (ج1ص93) حديث وسنتي بإسناده من طريق ابن أبي أويس عن أبيه عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس.

قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال ج3 ص127، في ترجمة لابن أبي أويس ما نصه: قال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: أبو أويس وابنه ضعيفان، وعنه أيضا: ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث، وعنه أيضا: مخلط يكذب ليس بشيء.
وقال الحافظ السيد أحمد بن الصديق في فتح الملك العلي ص/ 15:
وقال سلمة بن شبيب سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أصنع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم.
فالرجل متهم بالوضع، وحديثه الذي فيه لفظا وسنتي ليس في واحد من الصحيحين.
وأما أبوه، فقال أبو حاتم الرازي كما في كتاب ابنه الجرح والتعديل:
ج5/ص92. (يكتب الحديث ولا يحتج به وليس بقوي)، ثم قال عنه أنه: (ليس بثقة).
وحتى لو فرضنا جدلا إن حديث (وسنتي) صحيح، فهو أيضا قاضٍ بالتمسك بآل البيت (عليهم السلام) لأن حديث الثقلين ثابت من سنة النبي (صلى الله عليه وآله) لأن المصادر التي ذكرت حديث الثقلين تربوا على المائتين منها: مسند أحمد بن حنبل ج5/ ص182، وطبقات بن سعد ج2/ص192، والمعجم الصغير للطبراني ص/ 73، والسنن الكبرى للبيهقي، ج10/ ص113، وكنز العمال للمتقي الهندي ج1/ ص322، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج4/ ص 355 وصحيح الترمذي: صحيح الجامع الصغير.
حديث السفينة:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك.
وقد روى هذا الحديث ثمانية من الصحابة، وصححه كل من الحاكم في المستدرك ج3/ ص151، والسيوطي في نهاية الأفعال في مناقب الآل، والطيبي في شرح المشكاة، وابن حجر الشافعي إذ قال:
جاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضا(4).
وقد روى الحديث أكثر من مائة وخمسين عالما من علماء أهل السنة مرسليه إرسال المسلمات(5).
الخلاصة:
لو لم يكن في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) إلا هذين الحديثين (الثقلين، والسفينة) عن معاني عصمة العترة لكانا كافيين في عصمة الناس من الضلال في التيه، ومن الغرق في لجج المحيط الهائج المائج. ولم لم يكونوا معصومين فكيف يمنحون العصمة والنجاة لغيرهما، ففاقد الشيء لا يعطيه، فليتعظ الذين لا يعلمون والذين لا زالوا سادرين والتيه، وليعودوا للتمسك بالعاصمين الكتاب والعترة وليركبوا سفينة النجاة التي من الله علينا بها نحن بني البشر، فقد أمرنا لله بمودتهم وطاعتهم والتمسك بهم والرجوع إليهم ومسألتهم.. فهم، أولي الأمر وأهل الذكر والراسخون في العلم والأئمة والقادة والسادة صلوات الله عليهم والسلام.
ويتظافر القرآن والحديث في إبراز ضرورة العصمة في آل بيت النبي وبالأدلة العقلية والنقلية القطعية.. والحقيقة أن العصمة هي الدين كله ومعناه، فلا معنى للدين بما هو خضوع لله بدون معنى أن يكون الدين عاصما للمتدين من الظلال، ولذا فإن إنكار معاني التضليل والتدليل على النص الصريح والحق المبين.
فمثلا لو قارنا القول بعدالة الصحابة جميعهم بالقول بعصمة آل الرسول لرأينا حجم التضليل في دين الله والباع الكبير ليد الشيطان في هذا القول من ناحية إنكار عصمة آل البيت (عليهم السلام) مقابل اعتبار كل مسلم رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولو للحظة فهو صحابي ولذا فهو عادل.
والقول بعد ذلك في عدالة الصحابة أجمعين زور وباطل بما ثبت خلاف ذلك، فقد لعن رسول الله بعضهم وجلد وغزر وطرد ونفى وعاقب كثير آخرين، وقد خرج كثير من الصحابة على إمام زمانهم وحاربوه... ومن هنا يتسرب القول بعدالة الصحابة أجمعين على إمام زمانهم وحاربوه.. ومن هنا يتسرب القول بعدالة الصحابة أجمعين إلى لب العقيدة فيطعنه والى كيان الدين فيهده، لأن فيه تغطية كبيرة لما قام به كثير من الصحابة من جرائم تسببت في انحراف الدين وتشويه جوهره، وتبرير لما قام به بعض الصحابة من بدع، وتهديم لكيان الإسلام ومهام الإمامة المفترض أنها مهام الرسول (صلى الله عليه وآله).
فبعض الصحابة هم الذين خالفوا الرسول (صلى الله عليه وآله) وطعنوا في الدين، وهم الذين جعلوا مال الله دولا وعباد الله خولا وهم الذين جعلوا خلافة رسول الله في الطلقاء، وهم الذين جعلوا الخلافة وراثيه وهم الذين حاربوا إمام زمانهم، وهم الذين ناصبوا العترة الهادية العداء، وقتلوهم وسبوا عيال وبنات رسولهم.. وهم الذين جاءوا بالإفك في كل عزيمة من عزائم أمر الله تعالى.
ثم من وضع الأحاديث على رسول الله، هل غير الصحابة؟‍.
إن فكرة عدالة جميع الصحابة فكرة شيطانية وضع أساسها وروج لها الأمويون من أمثال معاوية وأبوه والحكم طريد الرسول (صلى الله عليه وآله) وابن مروان الوزغ بن الوزغ، والمغيرة بن شعبه، وسمرة بن جندب وزياد بن سمية وعمر بن العاص، وبذلك يكون لهؤلاء المارقون على الله ورسوله ضمن معاني الصحابة صفة العدالة في حين تكون عصمة آل البيت محل طعن وتجريح من قبل هؤلاء العدول: لدرجة جعلوا سب آل الرسول (عليهم السلام) سنة على منابرهم ولعقود طويلة من الزمن.
أرأيت كيف يصدق الواقع قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كون عترته (عليهم السلام) السفينة المنجية، والثقل المنجي من الضلال: وإلا فمن ينجو من هذا التضليل في الدين الذي مورس ولا زال يمارس بدهاء وخبث حتى الآن.

الهوامش
1 - صحيح الترمذي كتاب المناقب ج 633/ ص3788، والمستدرك ج3 ص/148.
2 - صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة .باب فضائل علي بن أبي طالب.
3 - راجع رواياتهم عبقات الأنوار ج1وج2.
4 - الصواعق المحرقة لابن حجر ج2/ ص445.
5 - مثلاً: المستدرك للحاكم: ج3/ ص151/ والمعجم الكبير للطبراني: ص130 والمعجم الصغير للطبراني/ ص78، ومجمع الزوائد للهيثمي ج9/ ص168 والجامع الصغير للسيوطي، وعيون الأخبار لابن قتيبة ج1/ص211.




نسألكم الدعاء
اختكم ( أكرفيه للأبد )
 

ملكة بكبريائي

شعــ V I P ــاع
إنضم
14 مايو 2008
المشاركات
1,185
النقاط
0
رد: المعنى الواقعي للعصمة في الإسلام

تسلمي خيه الله يعطيكِ العافيه

في ميزان حسناتك ان شاء الله

موفقه..
 

ام حسن

شعــ V I P ــاع
إنضم
15 نوفمبر 2007
المشاركات
18,841
النقاط
38
رد: المعنى الواقعي للعصمة في الإسلام

موضوع جميل وطرح رائع

اللهم ثبتنا على ولاية اهل البيت عليهم السلام

تشكرين اكرفيه ع الموضوع
 
عودة
أعلى أسفل