مارايكم في فن الصداقة

سارى فضل

توه مسجل
إنضم
28 فبراير 2009
المشاركات
28
النقاط
0
منذ ان أطلق أرسطو مقالته الشهيرة، (يا أصدقائي ليس هناك صديق) وانا أتأمل هذه الحكمة التي صدرت عن عقل حازم مكين. كلما درست الحالة بروية وتدبر وإمعان، وجدت ان الأصدقاء كثيرون، في كل زمان وكان، علي انهم في الحقيقة غير موجودين.
كان أرسطو يلقي محاضراته علي طلبته في الأخلاق، وحين تحدث عن الصداقة والصديق، أفاض وأطنب وأسهب. سأله طلابه ان يختصر ما يريد قوله في هذا الشأن بجملة واحدة، فما كان من الحكيم إلا ان أجاب طلبته الجالسين امامه ببيان جامع مانع (يا أصدقائي ليس هناك صديق).
انظر حولي، منذ ان وعيت أمري، واستقرئ التجارب التي مررت بها شخصياً، وجرت علي غيري، فأكتشف ــ ويا للهول ــ ان لا وجود للصديق علي الإطلاق. أتصفح أحداث التاريخ مما قرأت واطلعت عليه او سمعت به ــ عبر أحداث الزمان ــ فتظهر الحقيقة أمامي واضحة ناصعة، انه لا وجود للصديق علي سطح المعمورة.
ليس من حقي ان أنكر الحالة نكراناً تاماً، وان احكم علي مسيرة الحياة الاجتماعية بالنفي المطلق، ليس من الموضوعية في شيء، ولا يستقيم مع الحكم الصائب. ربما وجدت او قد توجد صداقة بين شخصين، لا يطأ اوارها إلا الموت. نعم توجد مثل هذه الصداقة، غير انها نادرة ندرة الكبريت الأحمر، وإذا ذكرت في الأسفار، ننظر إليها كأنها ضرب من الخيال.
إذا كان الصديق غير موجود، فان ما يلفت النظر ان الصداقة موجودة، ويا للحياة كم هي زاخرة بالمتناقضات.يكمن في الصديق سلوك فردي، اما الصداقة فهي حالة اجتماعية لا مندوحة للإنسان ان يسعي لطلب او كسب صداقة الآخرين، غير ان هذه الصداقة او الصداقات، سرعان ما تنتهي ذات يوم.
أرسطو نفسه، الذي يعد من أفضل تلاميذ أفلاطون، والذي انتهت به حياة التلميذة إلي ان يعد أفلاطون صديقاً. مع ذلك، فان أرسطو الذي تأثر تأثيراً كبيراً بكتابات أفلاطون، وكان صدي لأفلاطون في كل ما كتب وقال، ينقلب علي أفلاطون الصديق، حين يعلن صراحة، انه يفضل الحقيقة علي الصديق.
مهما يكن من أمر، فان الإنسان كائن اجتماعي، يحتاج إلي الصديق. الإنسان غير قادر علي الحياة بمفرده، وان الحياة الاجتماعية تدفعه إلي الاستئناس بالأخر او بالآخرين. اكثر من هذا، فان طبيعة الحياة علي كل شخص ان يساعد الآخرين، وان يستعين بهم ، في وقتي الشدة والرخاء.
اعتقد ان الإنسان لا يتخذ القرار في اتخاذ الصديق، في سابق تصميم وإصرار. ان ما اعتقده، ان الصداقة تأتي عفواً، بعد مزاملة ومصاحبة، قصر الزمن في هذه المعايشة ام طال. قد تبدأ الصداقة بفعل المرافقة ــ في بادئ الأمر ــ ثم تتحول إلي صداقة مع مرور الأيام، حين يغذيها نوع من التوافق والتفاهم والانسجام.
ليس من السهل ان احدد مكان او زمان، البدء في هذه الصداقة وكم تحتاج من الوقت كي يتم الوئام. المكان ربما يكون مدرسة او ملعباً رياضياً او متجراً او سجناً، وربما تكون نتيجة عمل مشترك في تجارة، او اللقاء في سفرة سياحية، اما الزمن الذي يؤكد إتمام الصداقة، فقد يكون بعد سفرة قصيرة، او بعد قضاء فترة دراسية في مدرسة او كلية، او بعد المكوث في سجن واحد، عدة سنين.
حين أتحدث عن الصديق، واعني به شخصاً واحداً، وان المحظوظ من الناس من يعثر علي هذا الشخص الفريد، الذي لا اثر له في واقع الحال. لست بالمتشائم ولا انا من الظالمين. ربما اكون متطرفاً، بعض الشيء، في حكمي هذا، ولكن ما حيلتي في الأمر، وانا اسبر الغور فلا أجد ما يخالف رأيي في هذا الشأن.
بعد هذا، لا بأس ان أشير إلي ان الصداقة قد تكون وتتوثق بين شخصيين، اما إذا تعدد الأشخاص، فان الحالة تتحول إلي ألفة اجتماعية او سياسية او اقتصادية او سياسية او ثقافية، تنتهي بانتهاء المصالحة، وتنفض بعد ان تحسم دواعي اللقاء.
هناك مقولة فلسفية، تذهب في القرار إلي ان ( الشبيه يدرك الشبيه). قد تصدق هذه الحكمة في رابطة الصداقة إلي حد بعيد، لان المفروض بالصديقين ان يتشابها في كثير من الصفات، مثل التقارب في العمر والحرفة الواحدة والمنزلة الاجتماعية والمكانة العلمية، إلي ما شابه من ميزات.
إذا قرننا ان الصداقة نوع من المحبة، تبدأ بالتقارب والتآلف، فانها في هذه الحالة تنحو بالشخص ان يتجه إلي من يشابهه بالأخلاق او الأهداف او الهوايات. ان هذا شيء طبيعي، ولعل التشابه يدفع الإنسان إلي الآخر، من حيث يدري او لا يدري.
مع ذلك، نحن نعلم ان الحياة معقدة ومتشابكة، إذ قد ينحو الشخص نحو من يخالفه في كثير من الصفات، سواء أكانت تلك الصفات جوهرية ام ثانوية. قد يصادق الحكيم جاهلاً، والغني فقيراً، والفاضل رذلاً، والشاعر ملاكماً، والفقيه لاعباً.
بعد هذا، لا بد من الاعتراف، او في الأقل بالإشارة إلي التشابه في الميزات أبقي وأدوم وأكثر استمرارية، من الصداقة بين شخصين مختلفين في كثير من الاتجاهات. ليس من السهل ان تدوم الصداقة بين شيخ طاعن في السن وشاب في مقتبل العمر، ولا بين غني وفقير، ولا بين عفيف وسكير.
مهما يكن من أمر، فان الحياة عميقة الغور. ان من الصواب في حالات الاختلاف، ان تتغلب الصفات الايجابية علي الهنات. علي الحكيم ان يفيد صديقه الجاهل بحكمته، وان يكف الرجل الفاضل صديقه الشرير عن مساوئه، وان يسعف الرجل الغني صديقه الفقير بماله.
من هنا نعرف ان الصداقة تنتج عن حالة اجتماعية، لان الإنسان غير قادر علي العيش بمفرده، انه يحتاج من يستشيره في الملمات، ويؤنس وحشته في الحياة.
في هذه الحالة، لا بد من كل من الصديقين ان يفيد الآخر، وفق قدراته وإمكانياته. شعور نبيل متبادل يهدف إلي تحقيق الخير. إذا تقلد احد الصديقين منصباً إدارياً او نال كرامة اجتماعية، فلا بأس ان يفيد صديقه وفق معايير معينة وبمستوي محدود لا يتجاوزه، لئلا ينقلب الفضل علي ضده.
ان ما اعنيه هنا، ان لا تصل الحالة إلي حد الاستغلال او تتجاوز مرحلة الاعتدال. ان الإفراط في تجاوز الحد او تكرار الطلب، قد يخل بالعلاقة وقد ينفرد عقد الصداقة.
ان من نبل الشعور الذي يديم فضيلة الصداقة، ان الذي يرتفع شأنه إذا ما ربح في تجارة او أصاب منزلة اجتماعية عليه ان لا يتكبر علي صديقه. علي الآخر ان يغبط صديقه ان لا ان يحسده او يستكثر عليه ما أصابه من مال او جاه. في الوقت نفسه، فان علي هذا، ان لا يطلب من صديقه ما يثقل كاهله او يحاول التسلق علي أكتاف صديقه، دون حق، ودون مواهب تمكنه من الوصول إلي ما يبتغي ويريد.
ان من مباهج الصداقة، ان يرفع الصديق شأن صديقه، سواء أكان ذلك في حضوره او في غيابه، علي ان يكون ذلك دون مبالغة ولا إسراف. لا بأس ان ينصح الصديق صديقه بمودة وترفق، إذا ما وجد في صديقه نقصاً او تصرف تصرفاً غير محمود، علي ان يكون الحديث مغلقاً بينهما، من دون اطلاع الآخرين علي ما يدور في هذا الشأن.
لعل من الأسباب التي تهدم جدار الصداقة، ان يحمل الصديق صديقه وزر أخطائه، او يكثر من لومه، كما ان من الثغرات التي يقع فيها الشخص، حين يذكر عيوب صديقه، ولا سيما إذا كان الحديث امام آخرين، فان هذه الثغرة قد توقع صاحبها، ويخسر صديقه إلي الأبد. السبب لان الصديق أدري الناس بمحاسن وعيوب صديقه، فليس من المروءة في شيء ان يظهر عيوب صديقه علي الملأ، عن قصد او دون قصد.
علي الإنسان ان يدرك، انه كائن غير كامل. انه يسعي إلي الكمال، غير انه مهما جد واجتهد، فلن يصل إلي الكمال او يدرك مبتغاه. كل إنسان إذن يخطئ، وكل إنسان لا بد ان يشوب سلوكه نوع من النقص.
في هذه الحالة علي الصديق علي ان يجد العذر لصديقه إذا ما اخطأ في حقه، كما ان عليه ان يعتذر إذا ما اخطأ في حق صديقه. الحياة الاجتماعية صعبة المراس ومتداخلة، والأحري بالصديقين ان يسود صداقتهما التسامح والمرونة والتغلب علي كل ما يحدث من هفوات.
في النهاية، لا يسعني إلا ان أشير إلي المقولة التي تذهب إلي ان (الإنسان صديق نفسه)، انها حقيقة لا بد من الاعتراف بها، لان الإنسان مهما كان فاضلاً، فانه ذاتي المنزغ، يسعي إلي فائدة نفسه وتهمه مصلحته الخاصة قبل ان يلتفت إلي ما يفيد لآخرين.
وهكذا علينا ان نعترف ان الإنسان ذاتي بطبعه اجتماعي بتطبعه. مهما اظهر إنسان بإضفاء النفع علي الآخرين، فان ما يهمه بالدرجة الأولي ان يفيد نفسه، قبل ان يقدم الخير لصديقه. انتهي إلي القول، إلي ان الإنسان صديق نفسه، واردد مقولة أرسطو: (يا أصدقائي ليس هناك صديق).
 

SH3A3-Q

ابو الميرزا
طاقم الإدارة
إنضم
14 نوفمبر 2007
المشاركات
48,692
النقاط
113
العمر
49
الإقامة
QATIF-القطيف
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
 

ام البنات

شعــ V I P ــاع
إنضم
13 سبتمبر 2008
المشاركات
1,580
النقاط
0
رد: مارايكم في فن الصداقة

ما اروع ماطرحت اخ ساري .....الصدقه شي جميل لكن الاخلاص في ايامنا معدوم اي والله كان الول الصديق وقت الضيق

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
 

رحــ الصمت ــيل

شعاع جديد
إنضم
9 يناير 2009
المشاركات
221
النقاط
0
رد: مارايكم في فن الصداقة

صحيح أخوووي كلامك بس اني أُؤيد هذا ...نعم توجد مثل هذه الصداقة، غير انها نادرة ندرة الكبريت الأحمر ....

يعطيكـ العآفية عالطرحـ الرائع ...

تحيآتــــــــــي ..
 

سارى فضل

توه مسجل
إنضم
28 فبراير 2009
المشاركات
28
النقاط
0
رد: مارايكم في فن الصداقة

القوة والعافية
تسلمو..... على المرور.....
الصداقات موجودة... بنسب موتفاوته...
 
عودة
أعلى أسفل