عدالة وبالعكس عدالة
بقلم
حسين أحمد سليم
آل الحاج يونس
Hasaleem
حفاة قدماء, سمتنا الرفض القاطع, أثبتنا التاريخ عنوة في حقب الزمان, يحدد بنا لا حول ولا جغرافية المكان, على ذمة شرعة حقوق الإنسان, المبتكرة قوانينها من رؤى التنجيم في قصر السلطان, وفقا لبنود قوانين ما يسمى أمما متحدة بقيادة الأكبر الشيطان, وأروقة يدلفون إليها تسمى مجلس أمن لا أمن له ولا أمان...
وكما خلقنا قدرا في كينونة جسد من حمأ مسنون, ما زلنا في صيرورتنا, نمشي بلا أحذية جلدية أو لدائنية, سواء من صناعة محلية شعبية, أو فاخرة أو من صناعة استعمارية أخرى, تقي أقدامنا المتشققة المدماة دائما, النازفة قيحا من فعل الإلتهابات الجلدية المزمنة, لتحفظها من وعورة الدروب في الوطن الممتد من حدود الماء إلى حدود الماء, فنحن خلقنا مجبولون بالعداء المطلق لكل أشكال الإستعمار والإستعماريون من كانوا...
قساة البنية نحن, أشداء, هكذا صنعتنا الحياة بصلفها, وبشرتنا المحروقة من أشعة الشمس, تميل للسواد لأننا نعيش عراة كما ولدنا, إلا من ستر عوراتنا بقطع من قماش الخام, الذي قد من كيس الطحين البلدي المائل للسمرة, وخاطته لنا أمي كيفما تيسر لها, فهي لم ولن تتقن الخياطة, إلا بإبرة كبيرة تشبه المسلة, لأنه ليس بمقدور أبي العامل المجاهد المكافح, أن يشتري لها آلة خياطة حديثة الصنع...
نحن فعلا فقراء, لا نمتلك سوى إيماننا بعروبتنا ووطنيتنا وعنفواننا وكراماتنا, المنظومة المناقبية التي ورثناها عن أجدادنا, الذين قضوا في سبيل شرفهم الشرقي وعزتهم العربية, وتناستهم الأيام عنوة, لأنهم مصنفون من أصحاب الردة, الخارجون يوما على دولة الزور والبهتان...
معوزون لم يكن نصيبنا الحصول على وظائف حكومية, كوننا عصاميون لم ولن نتعامل بالرشاوى, محرومون من أدنى مقومات العيش, كوننا أصحاب جرأة في قولنا وفكرنا وكلمتنا وفعلنا, لا نمتلك أموالا من جني الحرام, ولا فضة مختلسة زورا, ولا ذهبا سرق بهتانا, ولا جواهر سلبت من أصحابها قهرا, ولا حجارة كريمة تم السطو عليها تحت جناح الليل, ولا مسابح مطعمة بالجواهر, ولم ولن ننبش الخبايا في تراب وطننا الغالي, وننقل القطع الأثرية خفية عن أعين الحماة, ونتاجر بها نفاقا بلا ضمائر, ونبيعها خيانة قومية ووطنية في سوق البازارات الغربية لكسب بعض الدريهمات...
ولأننا لم ولن نمارس فعل اللصوصية منذ نشأنا وما قبل وما بعد, نحن لم ولن ولا نملك منزلا حتى الآن, لأن في بلدي ليس هناك من خطط إعمارية لنا, ولم ولن يكلف من بيدهم الأمر والنهي الإهتمام بمن هم على شاكلتنا, لأن هدفهم إنتهاز فرص المراكز, والإثراء الأسرع بأية شكل من الأشكال, والغاية في معتقداتهم تبرر الوسيلة, على قاعدة من له يعطى ويزاد ومن ليس له الذي له يؤخذ منه...
ونحن لا نملك أثاث تراثيا أو عصريا أو تاريخيا أو أوروبيا أو أميركيا أو... نفاخر به في قصور بنيت قهرا على أكتاف شعب ذل من قبل أصحابها, يفاخرون بالحسب الفارغ من مضمونه, ويستكبرون عجرفة جوفاء بالنسب الذي لا يثمن ولا يغني من جوع, أو يتنافخون رياءا ودجلا بألقاب منحت لهم لعمالتهم التاريخية, وليس بحوزتنا سوى فراش عريض من الإسفنج بلا قالب من القماش يحفظه ويحميه من التلف, وحرام واسع قديم أكل الدهر عليه وشرب, مهتريء الأطراف, ورثناه عن جدي المرحوم, الذي إشتراه من كد بنيته وعرق جبينه...
وليس في خيمتنا الخيشية, التي أقامها أبي ذات يوم عند ضفاف نهر الغدير, في مشاعات حرم النهر, والذي كان فيما مضى ملجأ للزوار والأحباب والعشاق, ومن ينشد الراحة في رحاب الجمال, بين أصناف الورود والأشجار, ومن يحب رياضة السباحة... وقد تغيرت المعالم كثيرا, وإختلفت المظاهر إختلافا كبيرا, ولم يبق النهر نهرا, بل تحول تجاوزا للقوانين الطبيعية, وخروجا على القوانين البيئية, وضربا بالحائط للقوانين الأخلاقية, تحول النهر زورا وبهتانا مجرى للمياه الآسنة, التي تتجمع في مجراه من بقايا المياه المبتذلة والصناعية, عند ضفاف النهر المظلوم أقام أبي خيمتنا الخيشية, لأنه ليس بمقدوره شراء ملليمتر واحد من الأرض, في بلد يصنف الناس فيه وفق سياساتهم أو معتقداتهم أو أديانهم ومذاهبهم...
وليس في خيمتنا القصر الهوائي, المشرعة للهواء ليلا نهارا, إلا بعض كسر الخبز اليابس وفتاته, الذي تجمعه أمي بدلا من خدماتها التي تقدمها أحيانا في بعض البيوتات التي تخاف الله سرا وعلانية, نقتات به كلما أخذ الجوع منا, ونادرا ما نجوع لأننا تعودنا على الصيام طيلة أيام وأشهر السنة الهجرية, حتى نكسب الأجر والثواب, وهو مسارات الفقراء, ولا نفطر بإنتظام إلا في شهر رمضان, وإذا ما فطرنا تبلل لنا الخبز أمي الصابرة ببعض الماء ليلين طراوة, وترش عليه بعض حبيبات السكر, مما إحتفظت به من بقايا السكر, الذي يتصدق علينا به, بعض فاعلي الخير في بلدي قربة لله تعالى...
لم تسعفنا الأيام كي نتعلم في المدارس أنا وإخوتي, فعددنا يربو على الإثنتي عشرة بين بنات وبنين, فالمجانية بنيت أساسا ليست لنا, ولا يحق لنا دخولها, لأننا لسنا من العائلات المصنفة عشائريا, والرسمية لا تستقبل أولاد الفقراء إلا بوساطة سياسية, ونحن لا نتداول بالسياسة في بلد كل شيء فيه سياسي, والمدارس الخاصة غالية الأقساط جدا, ونحن لا نملك من الأموال شيئا...
وشاءت ظروف الفقر العائلية أن أركن منذ نشأتي, إلى جدي المتعلم والذي يجيد فنون الكتابة العربية الخطية, فتعلمت على يديه أشكال الحروف العربية, وكيفية كتابتها وفق القواعد الصحيحة, فكان حظي أن أكون فيما بعد خطاطا فنانا, أخط الكلمات والحكم والآيات, وأرسم الأشكال والشعارات والمصطلحات, وأبتكر أشكالا لحروفيات جديدة, تحاكي العصرنة في زمن عولمة الحواسيب, وثورة الشبكة العالمية للمعلومات... وتأثرت كثيرا بجدي المرحوم, الذي كان يحمل ثقافة واسعة في شتى نواحي المعرفة, والذي كان مرجعا للكثير في ثقافته وعلمه, فنهلت من معينه المعرفي ما تيسر لي وهو على قيد الحياة, وبذلت قصارى جهدي بالإتكال على ذاتي بعد رحيله, فكونت نفسي بنفسي, محققا رغبته التي كان يتمنى لي, لكن بعد فوات الآوان, فقد مات جدي وتركني أعاني ومعاناتي تطول وتطول, وما زلت والفقر عوان رغم علمي وثقافتي ومناقبي وعصاميتي... هكذا شاء الخالق وإقتضت عدالة السماء, فالعدالة هي العدالة وبالعكس العدالة هي العدالة...
كتبت صباح يوم السبت الواقع في 20 / 10 / 2007 عند ضفة نهر الغدير حيث كانت خيمتنا للذكرى
بقلم
حسين أحمد سليم
آل الحاج يونس
Hasaleem
حفاة قدماء, سمتنا الرفض القاطع, أثبتنا التاريخ عنوة في حقب الزمان, يحدد بنا لا حول ولا جغرافية المكان, على ذمة شرعة حقوق الإنسان, المبتكرة قوانينها من رؤى التنجيم في قصر السلطان, وفقا لبنود قوانين ما يسمى أمما متحدة بقيادة الأكبر الشيطان, وأروقة يدلفون إليها تسمى مجلس أمن لا أمن له ولا أمان...
وكما خلقنا قدرا في كينونة جسد من حمأ مسنون, ما زلنا في صيرورتنا, نمشي بلا أحذية جلدية أو لدائنية, سواء من صناعة محلية شعبية, أو فاخرة أو من صناعة استعمارية أخرى, تقي أقدامنا المتشققة المدماة دائما, النازفة قيحا من فعل الإلتهابات الجلدية المزمنة, لتحفظها من وعورة الدروب في الوطن الممتد من حدود الماء إلى حدود الماء, فنحن خلقنا مجبولون بالعداء المطلق لكل أشكال الإستعمار والإستعماريون من كانوا...
قساة البنية نحن, أشداء, هكذا صنعتنا الحياة بصلفها, وبشرتنا المحروقة من أشعة الشمس, تميل للسواد لأننا نعيش عراة كما ولدنا, إلا من ستر عوراتنا بقطع من قماش الخام, الذي قد من كيس الطحين البلدي المائل للسمرة, وخاطته لنا أمي كيفما تيسر لها, فهي لم ولن تتقن الخياطة, إلا بإبرة كبيرة تشبه المسلة, لأنه ليس بمقدور أبي العامل المجاهد المكافح, أن يشتري لها آلة خياطة حديثة الصنع...
نحن فعلا فقراء, لا نمتلك سوى إيماننا بعروبتنا ووطنيتنا وعنفواننا وكراماتنا, المنظومة المناقبية التي ورثناها عن أجدادنا, الذين قضوا في سبيل شرفهم الشرقي وعزتهم العربية, وتناستهم الأيام عنوة, لأنهم مصنفون من أصحاب الردة, الخارجون يوما على دولة الزور والبهتان...
معوزون لم يكن نصيبنا الحصول على وظائف حكومية, كوننا عصاميون لم ولن نتعامل بالرشاوى, محرومون من أدنى مقومات العيش, كوننا أصحاب جرأة في قولنا وفكرنا وكلمتنا وفعلنا, لا نمتلك أموالا من جني الحرام, ولا فضة مختلسة زورا, ولا ذهبا سرق بهتانا, ولا جواهر سلبت من أصحابها قهرا, ولا حجارة كريمة تم السطو عليها تحت جناح الليل, ولا مسابح مطعمة بالجواهر, ولم ولن ننبش الخبايا في تراب وطننا الغالي, وننقل القطع الأثرية خفية عن أعين الحماة, ونتاجر بها نفاقا بلا ضمائر, ونبيعها خيانة قومية ووطنية في سوق البازارات الغربية لكسب بعض الدريهمات...
ولأننا لم ولن نمارس فعل اللصوصية منذ نشأنا وما قبل وما بعد, نحن لم ولن ولا نملك منزلا حتى الآن, لأن في بلدي ليس هناك من خطط إعمارية لنا, ولم ولن يكلف من بيدهم الأمر والنهي الإهتمام بمن هم على شاكلتنا, لأن هدفهم إنتهاز فرص المراكز, والإثراء الأسرع بأية شكل من الأشكال, والغاية في معتقداتهم تبرر الوسيلة, على قاعدة من له يعطى ويزاد ومن ليس له الذي له يؤخذ منه...
ونحن لا نملك أثاث تراثيا أو عصريا أو تاريخيا أو أوروبيا أو أميركيا أو... نفاخر به في قصور بنيت قهرا على أكتاف شعب ذل من قبل أصحابها, يفاخرون بالحسب الفارغ من مضمونه, ويستكبرون عجرفة جوفاء بالنسب الذي لا يثمن ولا يغني من جوع, أو يتنافخون رياءا ودجلا بألقاب منحت لهم لعمالتهم التاريخية, وليس بحوزتنا سوى فراش عريض من الإسفنج بلا قالب من القماش يحفظه ويحميه من التلف, وحرام واسع قديم أكل الدهر عليه وشرب, مهتريء الأطراف, ورثناه عن جدي المرحوم, الذي إشتراه من كد بنيته وعرق جبينه...
وليس في خيمتنا الخيشية, التي أقامها أبي ذات يوم عند ضفاف نهر الغدير, في مشاعات حرم النهر, والذي كان فيما مضى ملجأ للزوار والأحباب والعشاق, ومن ينشد الراحة في رحاب الجمال, بين أصناف الورود والأشجار, ومن يحب رياضة السباحة... وقد تغيرت المعالم كثيرا, وإختلفت المظاهر إختلافا كبيرا, ولم يبق النهر نهرا, بل تحول تجاوزا للقوانين الطبيعية, وخروجا على القوانين البيئية, وضربا بالحائط للقوانين الأخلاقية, تحول النهر زورا وبهتانا مجرى للمياه الآسنة, التي تتجمع في مجراه من بقايا المياه المبتذلة والصناعية, عند ضفاف النهر المظلوم أقام أبي خيمتنا الخيشية, لأنه ليس بمقدوره شراء ملليمتر واحد من الأرض, في بلد يصنف الناس فيه وفق سياساتهم أو معتقداتهم أو أديانهم ومذاهبهم...
وليس في خيمتنا القصر الهوائي, المشرعة للهواء ليلا نهارا, إلا بعض كسر الخبز اليابس وفتاته, الذي تجمعه أمي بدلا من خدماتها التي تقدمها أحيانا في بعض البيوتات التي تخاف الله سرا وعلانية, نقتات به كلما أخذ الجوع منا, ونادرا ما نجوع لأننا تعودنا على الصيام طيلة أيام وأشهر السنة الهجرية, حتى نكسب الأجر والثواب, وهو مسارات الفقراء, ولا نفطر بإنتظام إلا في شهر رمضان, وإذا ما فطرنا تبلل لنا الخبز أمي الصابرة ببعض الماء ليلين طراوة, وترش عليه بعض حبيبات السكر, مما إحتفظت به من بقايا السكر, الذي يتصدق علينا به, بعض فاعلي الخير في بلدي قربة لله تعالى...
لم تسعفنا الأيام كي نتعلم في المدارس أنا وإخوتي, فعددنا يربو على الإثنتي عشرة بين بنات وبنين, فالمجانية بنيت أساسا ليست لنا, ولا يحق لنا دخولها, لأننا لسنا من العائلات المصنفة عشائريا, والرسمية لا تستقبل أولاد الفقراء إلا بوساطة سياسية, ونحن لا نتداول بالسياسة في بلد كل شيء فيه سياسي, والمدارس الخاصة غالية الأقساط جدا, ونحن لا نملك من الأموال شيئا...
وشاءت ظروف الفقر العائلية أن أركن منذ نشأتي, إلى جدي المتعلم والذي يجيد فنون الكتابة العربية الخطية, فتعلمت على يديه أشكال الحروف العربية, وكيفية كتابتها وفق القواعد الصحيحة, فكان حظي أن أكون فيما بعد خطاطا فنانا, أخط الكلمات والحكم والآيات, وأرسم الأشكال والشعارات والمصطلحات, وأبتكر أشكالا لحروفيات جديدة, تحاكي العصرنة في زمن عولمة الحواسيب, وثورة الشبكة العالمية للمعلومات... وتأثرت كثيرا بجدي المرحوم, الذي كان يحمل ثقافة واسعة في شتى نواحي المعرفة, والذي كان مرجعا للكثير في ثقافته وعلمه, فنهلت من معينه المعرفي ما تيسر لي وهو على قيد الحياة, وبذلت قصارى جهدي بالإتكال على ذاتي بعد رحيله, فكونت نفسي بنفسي, محققا رغبته التي كان يتمنى لي, لكن بعد فوات الآوان, فقد مات جدي وتركني أعاني ومعاناتي تطول وتطول, وما زلت والفقر عوان رغم علمي وثقافتي ومناقبي وعصاميتي... هكذا شاء الخالق وإقتضت عدالة السماء, فالعدالة هي العدالة وبالعكس العدالة هي العدالة...
كتبت صباح يوم السبت الواقع في 20 / 10 / 2007 عند ضفة نهر الغدير حيث كانت خيمتنا للذكرى