ثقافة الشائعات

سيد عباس

توه مسجل
إنضم
2 يناير 2010
المشاركات
9
النقاط
0
بقلم السيد فاضل علوي آل درويش الموسوي


تعريف الشائعة:
الإشاعة بمفهوم بسيط هي رواية أو خبر يتم تناقله بين أفراد المجتمع بشكل مباشر (مشافهة) أو غير مباشر (عن الطريق النشر في وسائل الإعلام والفضائيات والإنترنت)، دون وجود مصدر يؤكد صحتها بحسب الطرق الشرعية أو العلمية، فهي إما اختلاق لخبر لا أساس له، وإما خبر تم تحريفه بسبب أهواء الناقلين له.
يعرِّفها جيمس دريفر بأنها عبارة عن قصة غير متحقق منها في المجتمع، ويزعم فيه حدوث واقعة معينة.
ويعرِّفها البورت - ووتسمان -: بأنها كل قضية أو عبارة نوعية، مقدمة للتصديق، وتتناقل من شخص لآخر عادة بالكلمة المنطوقة، دون أن تكون معايير أكيد للصدق، وتدور حول أحداث أو حول شخصيات، وتزدهر الشائعات في غيبة المعايير الأكيدة للصدق.
والخلاصة أن الشائعة هي خبر يتم تداوله عن طريق اتصال مباشر أو غير مباشر كوسائل الإعلام دون مطابقة للواقع، وإنما هو اختلاق للخبر أو تحريفه عن الواقع بزيادة أو نقصان، أو الحديث عن خبر دون الاستناد إلى مصدر يمكن الوثوق به.
إن الشائعة من الظواهر الاجتماعية لها أهميتها، ويضاعف من أثرها هو انتشارها وذيوعها على مدى الزمان، وأنها تمثل جزءاً من الحديث اليومي بين الناس.
وأما مدى ظهور وانتشار الشائعات فهذا أمر يتعلق بمدى ملائمة ظهورها مع الجو الاجتماعي والنفسي الذي يحياه أفراد المجتمع، فعندما تحدث أزمة اقتصادية مثلاً، فتكثر الإشاعات في هذا الجانب، فإشاعة تقول: أُغلق المصرف الفلاني، وشائعة تقول: تمَّ تسريح عمال المصنع الفلاني.
ويبين العالم (ليون فستنجر) العامل النفسي لانتشار الشائعة، في نظرية التنافر المعرفي في قوله: إن استقبال الأفراد أو الجماعة لمعلومات غامضة أو غير كافية أو غير مناسبة أو متناقضة، تخلق لديهم حالة من مظاهر سوء الإدراك، والفهم لمجريات الأحداث، مسببة حالة من الارتباك والفوضى.
ويكمن الأثر النفسي للشائعة في تهاون البعض في تناقل الأقاويل والكلام الذي يسمعه، (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع)، ولا يلتفت إلى آثار ذلك وعاقبته، وكيف أنه يمكن أن يدمر العلاقات الاجتماعية.
أسباب انتشار الشائعات:
يتأثر انتشار الشائعات بعدة عوامل تساعد على تأثير الإشاعة في المجتمع، ومنها:
ثقافة المجتمع وكيفية تلقيه للمعلومات، فكلما كانت درجة الثقافة عالية فإن عالم الشائعات يتبدد، فمع الرجوع إلى المصدر الموثوق به فلا مجال الانتشار الإشاعة، فعندما نستمع إلى مسألة فقهية تُنسب إلى أحد المراجع، فتلقي المجتمع الواعي لهذه المعلومة يختلف فيه عن المجتمع الساذج، فالمثقف يرجع إلى مسائل ذلك المرجع أو يرجع إلى وكلاء ذلك المرجع للتأكد من المسألة، وكذا عند الاستماع لرأي ثقافي أو اجتماعي أو نفسي.
وقد ذكر لنا القرآن الكريم أن إحدى الوسائل المتخذة ضد الرسول (ص) والمسلمين هي وسيلة الإشاعات، والتي سمتها الآية الكريمة بالإرجاف، قال تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ } (الأحزاب الآية 60)
والذي ينشر الشائعات في المجتمع لابد أن تكون له أهداف وضيعة، ومنها النفسية المريضة التي يعيشها، والتي لا تتحمل أن ترى جو الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع، فالحقد والحسد الذي يملأ جوانب قلوبهم المريضة لا يتحمل العيش في هذه الأجواء، فيلجأ إلى أسلوب بث الشائعات، وذلك لخلق الفتنة في المجتمع، وتبدأ العلاقات بين الأخوة تتشنج وأجواء الكراهية تنتشر، وعند ذاك ترتاح نفسه المريضة.
ومنها التسقيط الاجتماعي: وذلك بهدف إسقاط الشخصية الناجحة، وذلك بالترويج لخبر يختلقه أصحاب النفوس المريضة، ويكون الخبر لا أساس له واقعاً، وإنما تعتمد الإشاعة على نشر الخبر وفيه جانب صحيح في الحقيقة، ولكن هناك عمل على تشويه الخبر بزيادة وإضافة لمعلومة أخرى كاذبة وهكذا حتى يخرج الخبر عن إطاره الصحيح، أو بتشويه الأهداف من ذلك القول أو الفعل، أو وضع تفسير مغاير للحقيقة لذلك الخبر.
ومن ذلك خبر زواج رسول الله(ص) بالسيدة زينب بنت جحش، فقد كان الهدف من هذا الزواج هو إنهاء أحكام الجاهلية في التبني، ومن أساليب ذلك هو الأسلوب العملي بزواج الرسول(ص) بزوجة زيد ابنه، ولكن ألسنة بعض المنافقين انطلقت، تغمز وتلمز، بأن محمداً قد تزوج بزوجة ابنه زيد.
وفي المقابل هناك موقف المؤمنين وهو عدم التحدث بما يسيء للآخرين، كما قال تعالى في الموقف الإيماني من قضية الإفك،{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}(النور الآية16)
أي هلا حين سمعتم هذا الاتهام الشنيع من الأفاكين الكذابين، استبعدتموه وقلتم: ما ينبغي لنا أن نتحدث بهذا، وقلتم أيضاً: سبحانك أي ننزه أسماعنا يا رب عن مثل هذا الزور والبهتان.
دراسة: ذكر أنه في إحدى الجامعات في الولايات المتحدة، تم عمل دراسة عن أثر الإشاعة، وأن انتشارها يخضع لعامل مهم وهو الهوى الشخصي للأفراد، فقد تم عرض صورة على أحد الأفراد من البيض، وتلك الصورة لمواطن من البيض وهو يشهر السلاح في وجه مواطن من السود، ثم طلب منه أن يحدث بما رآه إلى خمسة عشر شخصاً.
وكانت النتيجة لهذه المعلومة، وذلك بعد أن تناولها الأشخاص الخمسة عشر هي قلب الحقيقة، وهي أن مواطناً من السود قد شهر السلاح بوجه فرد من البيض.
ومن أسباب الإشاعات هو حب الظهور: وذلك أن البعض يرغب أن يكون شخصية معروفة ولها أهميتها، فيلجأ إلى تحايل على عقول الآخرين، وذلك كنوع من التعويض عن الفشل الذي يعتصره، فيلجأ إلى جلب الانتباه له، ويتحقق له ذلك عن طريق الإشاعة، فالكل يتهافت للحديث معه، للتعرف على تفاصيل الخبر الذي ينقله.
ومن الأسباب العمل على تحطيم الآخر نفسياً: وذلك بمجرد العمل على نشر الإشاعة والتهامس بها بين الآخرين، ووصول الخبر لذلك الفرد، يجعله يعيش في دائرة ضيقة نفسياً، فتهتز ثقته بنفسه من خلال اهتزاز ثقة الآخرين به، وبالتالي يؤثر على طريقة تفكيره، فيكون منهزماً داخلياً، فيشعره بغربة داخلية، وأنه وحيد قد تخلى عنه أصدقاؤه.
ومن أسباب نشر الشائعات هو الإسقاط: وذلك أن الفرد الناقل لها يعاني من نوع من الفشل أو الإخفاقات في حياته العملية أو الدراسية أو الاجتماعية، فيلجأ إلى إسقاط فشله على أشخاص آخرين، وذلك من خلال اتهامه للآخرين بدون علم، فيسقط عيوبه على الآخرين، وذلك في نظره يكسبه احترام وتقدير الآخرين، من خلال تبرئة نفسه من العيب.
ومن الأسباب كذلك المشاعر المكبوتة: وذلك أن الإنسان هو في جانبه الانفعالي- مجموعة من المشاعر والأحاسيس، فبعضها يظهر إلى الواقع، فيعبر عنها للآخرين، وهناك مشاعر مكبوتة في النفس لا يمكن إظهارها لسبب وآخر، فإذا جاء موقف يتعلق بها فإنه يظهرها بحسب هذه المشاعر، فإذا وصلت له المعلومة فإنه يصبغها بمشاعره المكبوتة، فيظهر التحوير والتحريف في الخبر بحسب هذه المشاعر.
وأحياناً يكون سبب الشائعات هو مجرد التسلية: وذلك أن بعض ممن ابتلي بالفضول والثرثرة في الكلام يستطيع أن يشبع فضوله إلا بالحديث في مثل هذه الشائعات، فيلوك لسانه أعراض الآخرين، ويجد المتعة في ذلك.
نموذج في عصر النبوة:
كان شاس بن قيس اليهودي، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مرَّ يوماً على الأنصار الأوس والخزرج- وهو مجتمعون يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم، بعد ما كان بينهم من العداوة، فقال: قد اجتمع بنو قيلة، والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر فتى شاباً من اليهود، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعاث- أي الحرب الذي كان بينهم وما كان فيه - وأنشدهم ما كانوا يتقاولون به من الأشعار، ففعل فتكلم القوم عند ذلك، وذكر كل أقوال شاعرهم، وتنازعوا وتواعدوا على المقاتلة، فنادى هؤلاء يا آل الأوس، ونادى هؤلاء يا آل الخزرج، ثم خرجوا للحرب وقد أخذوا السلاح واصطفوا للقتال.
فلما بلغ الخبر رسول الله(ص) خرج إليهم فيمن كان معه من المهاجرين، فقال: يا معشر المسلمين، الله الله، اتقوا الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد هداكم الله إلى الإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألّف به بينكم، فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس، الرجال من الخزرج، ثم انصرفوا مع رسول الله(ص).
ومن أسباب انتشار الشائعة كذلك الدوافع: والمقصود به أن الناس يشد انتباههم ما لهم تعلق به، فإذا أصاب الناس القلق من أمر ما كمرض أنفلونزا الخنازير مثلاً، تجد الشائعات عن موت شخص في شرق واشتباه حالة في غرب وهكذا، والمصدق لمثل هذه الشائعات هو الذي يعيش القلق المرضي من هذا المرض، دون أن يحاول الرجوع إلى المصادر الموثوقة لمعرفة الأرقام الصحيحة.
وقد يكون السبب لنشر الشائعة هو جذب انتباه الآخرين، بأن عنده من المعلومات ما لا يوجد عند غيره، وهذه الوسيلة التي يستخدمها الطفل عند الحديث عن معلومة عنده صحيحة أو غير واقعية، فهو يحب جذب انتباه المستمعين له، وكذلك البعض ممن ينشر الشائعات يكون له نفس الدافع، فيجد المتعة في ذلك، وهذا يكون عادة من الأشخاص الذين تخلو حياتهم من أحداث وأخبار.
ومن أسباب نشر الشائعة هو التفكير الانفعالي، وذلك بإسقاط الفرد لمشاعره- حباً أو كراهية - على الخبر، فلا يستطيع أن يميز بين أصل الخبر وما أضافه من معلومات ناتجة عن أحاسيسه.
ومن الأسباب الاختلاف في فهم معنى الخبر، حيث يستمع الجميع لذلك الخبر، ثم يبدأ الناشر للشائعة في إضافة تحليل وبسط لمعاني مفردات ذلك الخبر، مما يسبب في تحريف تلك الخبرية.
أو قد يكون السبب هو المبالغة، فبعض الأشخاص في أثناء سردهم لأي خبر، لا يعتنون بالدقة في نقل الخبر، ولا يلتفتون إلى فحوى الأرقام فيه، مما يؤدي إلى المبالغة في العدد الوارد في الخبر، وكما يقال فإن الشائعة تضاف لها البهارات حتى تكبر، كما يحدث لكرة الثلج المتدحرجة، والتي تحدث أثرها الكبير من بداية صغيرة.
مواجهة الشائعات:
إن أساليب التصدي للشائعات تكمن في الأثر السيء لها، وهي تطال أفراد المجتمع بالتدمير سواء على الجانب الفردي بتحطيم المعنويات، أو على المستوى الجمعي، وذلك بتدمير العلاقات بين أفراد المجتمع لانعدام الثقة.
ويمكن مواجهة الشائعة عن طريق الخطة الوقائية، ونقصد بها توعية الناس بمفهوم وتعريف الشائعة، وما هي الأسباب لانتشارها؟ وما هي الآثار السيئة للشائعة على مستوى الفرد والمجتمع؟ وما هي الطرق العلمية للتمييز بين الأخبار الصادقة والشائعات؟ وذلك بهدف توعية أفراد المجتمع بأصحاب نشر هذه الأكاذيب ودوافعهم وأساليب نشرهم لها.
والأسلوب المناسب لمواجهتها هو اعتماد الأسلوب العلمي، بالتعرف على جوانب هذا الخبر المختلق والعمل على دفعه من عقول الأفراد، ويتم ذلك عن طريق التوعية والإرشاد بالآثار السيئة للشائعات، والتعرف على أهداف الناشرين لها، والدوافع الاجتماعية والأخلاقية والنفسية لهؤلاء ضعاف النفوس، والتعرف على الأسلوب العلمي في استقاء المعلومات، والبعد عن مصدر (قيل وقال).
ويمكن من خلال الشائعات فهم ومعرفة الجانب التفكيري للمجتمع، وما يعتمل فيه من اتجاهات ومبادئ وقيم.
ينقل كمثال على ذلك أن أباطرة الروم كانوا يعانون من الشائعات، فقاموا بإيجاد حل لذلك، وذلك بتعيين ما يسمى بحراس الإشاعات، وكانت لهم مهمة وهي مخالطة الناس والاستماع لما يقولونه ويتناقلونه من أخبار، ومن ثم نقلها إلى البلاط الحاكم، وهناك يتم العمل على تحليلها ومعرفة أسباب حديث الناس في هذا الموضوع أو ذاك، وبتعبير آخر فإن الشائعات كانت معياراً لمشاعر وأفكار الناس، وكان حراس الشائعة لهم مهمة أخرى، وهي القيام بما يوجهه البلاط الحاكم لهم، من القيام بحملة مضادة من الشائعات.
ولبيان كيفية مواجهة الشائعات نستعين بما يسميه علماء المنطق (برهان الخُلف)، أي نتوجه إلى الشخصيات التي لا تبالي بالشائعات ولا تدير لها بالاً، والذين يتوثقون من الأخبار من خلال مصادرها، كيف وصلوا إلى هذه الدرجة الراقية من التثبت في المعلومات؟
كل ذلك نشير إلى مسألة مهمة وهي الوعي الاجتماعي، والعمل على الوصول إلى هذه المزية، فالفراغ النفسي والفكري هو أحد أهم أسباب انتشار الشائعة، فلا يمكن للإنسان المهتم بدراسته أو تنمية شخصيته أو التقدم في عمله أن ينشغل بمثل هذه الأمور، حيث أن الفراغ له آثاره السلبية على الإنتاجية والتطور الدراسي والوظيفي، وبالتالي يكون تربة خصبة وأرضية مناسبة لنشر الشائعات.
إن ناشر الشائعات ومن يقوم على بثها هو شخص مصاب بمرض نفسي، فهو يستمتع ويتلذذ عندما يرى الثقة قد افتقدت في المجتمع، وينفس عن احتقانه على الآخرين، مما يسد شيئاً من النقص الذي يعانيه في شخصيته.
إن الرقي في جميع الأصعدة والذي ينشده المجتمع الواعي، لا يتم إلا بوجود تكاتف وثقة بين أفراده، ولذا تقع المسئولية على العناصر المهمة في المجتمع لمواجهة الشائعة، فالأسرة لها دور في تربية الأبناء على عدم تناقل الأخبار من دون مصدر موثوق والتأكد منه، وكذلك المدرسة لها دور مهم في ذلك، وذلك عن طريق توعية الطلاب بالشائعات وآثارها السيئة، كما أن للنشاطات الاجتماعية كالمسرح دوره في تصوير الشائعة وناقليها وآثارها الاجتماعية من خلال تمثيلية هادفة.
إن مهمة المراكز الاجتماعية هو العمل على الحفاظ على العقل الجمعي من الشائعات، فبناء عقل الفرد على التثبت، وعدم النظر لكل معلومة على أساس صدقها، وعدم الاهتمام بكل ما يقال، وصب الاهتمام على روح المثابرة والإنجاز والنجاح، لا يدع للشائعة مجالاً في الدخول إلى العقول، وإن تنشئة الضمير والوازع الديني لهو من أهم وسائل محاربة ومجابهة الشائعات، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } (الإسراء آية 36)
 
عودة
أعلى أسفل