عنوان المحاضرة: سيرة السيدة مريم عليها السلام
المناسبة: ذكرى وفاة السيدة مريم عليها السلام 1447هـ
الخطيب: السيد كميل الغريفي
التاريخ: 25 صفر 1447هـ
الموافق: الثلاثاء 19 أغسطس 2025م
بسم الله الرحمن الرحيم {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} آية 42 – سورة آل عمران
جاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام، وقال له: سيدي ومولاي، من هذا عمران والد مريم؟ فقال عليه السلام: عمران والد مريم كان نبيًا مرسلاً في قومه. ولكن يُطرح السؤال: هل عمران والد مريم هو نفسه عمران والد موسى؟ خصوصًا أن الخطاب جاء في الآية: {يا أخت هارون}. فهل هو هارون النبي، أم هارون آخر؟ يذكر المفسرون أن عمران والد مريم يختلف عن عمران والد موسى، وبينهما نحو ألفٍ وثمانمائة عام.
و”يا أخت هارون” الواردة في الآية، فقد قيل: إنهم أرادوا توبيخها وربطها برجل من قومها اسمه هارون، كان فاسدًا. فشبهوها به على سبيل الطعن، لا على سبيل النسبة النسبية.
وأما أم مريم، فيذكر المفسرون أن اسمها حنة وهي زوجة عمران. وكانت لها أخت تُسمى أشياع، وهي زوجة نبي الله زكريا، وأم نبي الله يحيى. فصارت مريم بنت خالة يحيى.
المناسبة: ذكرى وفاة السيدة مريم عليها السلام 1447هـ
الخطيب: السيد كميل الغريفي
التاريخ: 25 صفر 1447هـ
الموافق: الثلاثاء 19 أغسطس 2025م
بسم الله الرحمن الرحيم {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} آية 42 – سورة آل عمران
جاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام، وقال له: سيدي ومولاي، من هذا عمران والد مريم؟ فقال عليه السلام: عمران والد مريم كان نبيًا مرسلاً في قومه. ولكن يُطرح السؤال: هل عمران والد مريم هو نفسه عمران والد موسى؟ خصوصًا أن الخطاب جاء في الآية: {يا أخت هارون}. فهل هو هارون النبي، أم هارون آخر؟ يذكر المفسرون أن عمران والد مريم يختلف عن عمران والد موسى، وبينهما نحو ألفٍ وثمانمائة عام.
و”يا أخت هارون” الواردة في الآية، فقد قيل: إنهم أرادوا توبيخها وربطها برجل من قومها اسمه هارون، كان فاسدًا. فشبهوها به على سبيل الطعن، لا على سبيل النسبة النسبية.
وأما أم مريم، فيذكر المفسرون أن اسمها حنة وهي زوجة عمران. وكانت لها أخت تُسمى أشياع، وهي زوجة نبي الله زكريا، وأم نبي الله يحيى. فصارت مريم بنت خالة يحيى.
عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، عن عمران أكان نبيا؟
فقال: نعم كان نبيا مرسلا إلى قومه، وكانت حنة امرأة عمران وحنانة امرأة زكريا أختين، فولد لعمران من حنة مريم، وولد لزكريا من حنانة يحيى عليه السلام وولدت مريم عيسى عليه السلام وكان عيسى عليه السلام ابن بنت خالته، وكان يحيى عليه السلام ابن خالة مريم، وخالة الام بمنزلة الخالة.
تأخرت حنة في الإنجاب، حتى جلست يومًا تحت شجرة، فرأت طائرًا يطعم فراخه، فهاجت عاطفة الأمومة في قلبها، وتمنت لو رزقها الله ولدًا. فنزلت البشرى على عمران عبر الملائكة، كما ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، بأن الله سيرزقه ذكرًا سويًا، يشفي الأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.
أخبر عمران زوجته حنة بالبشرى، ففرحت. فلما حملت قالت: يا رب، إني نذرت لك ما في بطني محررًا. فلما وضعتها أنثى قالت: رب إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى. والنذر للمعبد لا يكون للأنثى، لضعف بنيتها، ولأنها إذا بلغت لا تستطيع البقاء في المعبد دائمًا.
مقارنة في فضائلها عليها السلام والزهراء عليها السلم:
وأما عن وفاتها، فتذكر الروايات أن عيسى كان معها يصوم النهار ويقوم الليل، ثم خرج يومًا يطلب الطعام، فجاء ملك الموت إلى مريم في محرابها، فقالت له: أجئت زائرًا أم قابضًا؟ قال: بل قابضًا. فلما رجع عيسى وجدها ساكنة لا تتحرك، فعلم أنها فارقت الحياة.
أخبر عمران زوجته حنة بالبشرى، ففرحت. فلما حملت قالت: يا رب، إني نذرت لك ما في بطني محررًا. فلما وضعتها أنثى قالت: رب إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى. والنذر للمعبد لا يكون للأنثى، لضعف بنيتها، ولأنها إذا بلغت لا تستطيع البقاء في المعبد دائمًا.
مقارنة في فضائلها عليها السلام والزهراء عليها السلم:
- الإصطفاء: قال تعالى: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}، فكان لها اصطفاءان:
- الإصطفاء الأول: التطهير من كل دنس: من شدة عبداتها في المعبد،ومن مهام الذي يخدم في المعبد أن يصوم طوال النهار، طوال الدهر، ويقوم الليل، ويخدم العُباد، وعندما بلغت مبالغ النساء أمر زكريا أن يضرب بينها عليها حجاب، وبلغت عبادتها حتى بلغت مقام المنادات من الملائكة وهو مقام لا يبلغه إلا الأنبياء.
- الإصطفاء الثاني: الرفعة والاختيار من بين كل النساء: عن المفضل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله في فاطمة: إنها سيدة نساء العالمين أهي سيدة نساء عالمها؟ فقال: ذاك لمريم كانت سيدة نساء عالمها، وفاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.
- محدَّثة: إذ كانت الملائكة تخاطبها وتبشرها وتجيب أسئلتها، {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} آية 20 – سورة مريم، وكذلك كانت الزهراء عليها السلام محدثة، تهبط عليها الملائكة وتكلمها، وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما سميت فاطمة محدثة لان الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران فتقول: “يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين”، فتحدثهم ويحدثونها.
فقالت لهم ذات ليلة: “أليست المفضلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟”
فقالوا: “إن مريم كانت سيدة نساء عالمها، وإن الله عز وجل جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها وسيدة نساء الأولين والآخرين”. - طعام الجنة: قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} آية 37 – سورة آل عمران، وكان يجد فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وكذلك ورد في الروايات أن الزهراء عليها السلام كان طعامها يأتيها من الجنة.
روي عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبح علي عليه السلام ذات يوم ساغبا، فقال: يا فاطمة، هل عندك شئ تطعميني.
قالت: والذي أكرم أبي بالنبوة، وأكرمك بالوصية، ما أصبح عندي شئ يطعمه بشر، وما كان من شئ أطعمك منذ يومين إلا شئ كنت أوثرك به على نفسي وعلى الحسن والحسين.
قال: أعلى الصبيين! ألا أعلمتني فآتيكم بشئ؟
قالت: يا أبا الحسن، إني لأستحي من إلهي أن أكلفك ما لا تقدر.
فخرج واثقا بالله حسن الظن به، فاستقرض دينارا، فبينا الدينار في يد علي عليه السلام إذ عرض له المقداد رضي الله عنه في يوم شديد الحر، قد لوحته الشمس من فوقه وتحته، فأنكر علي عليه السلام شأنه، فقال: يا مقداد، ما أزعجك هذه الساعة؟
قال: خل سبيلي يا أبا الحسن، ولا تكشفني عما ورائي.
قال. إنه لا يسعني أن تجاوزني حتى أعلم علمك.
قال: يا أبا الحسن، إلى الله ثم إليك أن تخلي سبيلي، ولا تكشفني عن حالي.
فقال علي عليه السلام: إنه لا يسعك أن تكتمني حالك.
فقال: إذا أبيت، فوالذي أكرم محمدا بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أزعجني إلا الجهد، ولقد تركت عيالي بحال لم تحملني لها الأرض، فخرجت مهموما وركبت رأسي فهذه حالي.
فهملت عينا علي عليه السلام بالدموع حتى أخضلت دموعه لحيته، ثم قال: أحلف بالذي حلفت به، ما أزعجني من أهلي إلا الذي أزعجك، ولقد استقرضت دينارا فخذه.
فدفع الدينار إليه، وآثره به على نفسه، وانطلق إلى أن دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله المغرب مر بعلي بن أبي طالب وهو في الصف الأول، فغمزه برجله، فقام علي علي السلام مستعقبا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لحقه على باب من أبواب المسجد، فسلم عليه، فرد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا أبا الحسن، هل عندك شئ نتعشاه فنميل معك؟
فمكث مطرقا لا بحير جوابا حياء من رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو يعلم ما كان من أمر الدينار، ومن أين أخذه، وأين وجهه، وقد كان أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وآله أن يتعشى الليلة عند علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما نظر رسول الله إلى سكوته فقال: يا أبا الحسن، مالك لا تقول: لا، فانصرف، أو تقول: نعم، فأمضي معك؟
فقال حياء وتكرما: فاذهب بنا.
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله: يد علي بن أبي طالب عليه السلام فانطلقا حتى دخلا على فاطمة الزهراء عليها السلام وهي في مصلاها، قد قضت صلاتها، وخلفها جفنة تفور دخانا، فلما سمعت كلام رسول الله صلى الله عليه وآله في رحلها خرجت من مصلاها، فسلمت عليه، وكانت أعز الناس عليه، فرد عليها السلام، ومسح بيده على رأسها، وقال لها: يا بنتاه، كيف أمسيت رحمك الله.
قالت: بخير.
قال: غفر الله لك وقد فعل.
فأخذت الجفنة، فوضعتها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، فلما نظر علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الطعام وشم رائحته، رمى فاطمة عليها السلام ببصره رميا شحيحا، فقالت له فاطمة عليها السلام: سبحان الله، ما أشح نظرك وأشده! هل أذنبت فيما بيني وبينك ذنبا استوجبت به السخطة؟
قال: وأي ذنب أعظم من ذنب أصبته؟ أليس عهدي بك اليوم الماضي، وأنت تحلفين بالله مجتهدة، ما طعمت طعاما مذ يومين؟
قال: فنظرت إلى السماء، فقالت: إلهي يعلم في سمائه ويعلم في أرضه أني لم أقل إلا حقا.
فقال لها: يا فاطمة، أنى لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه قط، ولم أشم مثل ريحه قط، وما أكلت أطيب منه قط؟
قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله: كفه الطيبة المباركة بين كتفي علي بن أبي طالب عليه السلام، فغمزها، ثم قال: يا علي، هذا بدل دينارك، وهذا جزاء دينارك من عند الله {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ثم استعبر النبي صلى الله عليه وآله باكيا، ثم قال: الحمد لله الذي أبى لكم أن تخرجا من الدنيا حتى يجزيكما، ويجزيك يا علي بمنزلة زكريا، ويجري فاطمة مجرى مريم بنت عمران، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا. - الحجية: كانت مريم عليها السلم آية مع ابنها عيسى عليه السلام، أي أنها وابنها حجة على الناس، وإن لم تكن حجيتها مساوية مع حجية ابنها، والزهراء عليها السلام أيضًا حجة على الأئمة عليهم السلام، كما قال الإمام العسكري عليه السلام: “نحن حجج الله على الخلائق، وأمنا فاطمة حجة الله علينا”.
- الكفالة: مريم عليها السلام كفلها نبي الله زكريا، والزهراء عليها السلام كفلها النبي محمد صلى الله عليه وآله.
- الولادة: مريم عليها السلام ولدت في بيت المقدس، والزهراء عليها السلام ولدت في أشرف بقاع الأرض وهي مكة المكرمة.
- العصمة: مريم عليها السلام كانت معصومة، والزهراء عليها السلام كذلك كانت معصومة.
- الزواج: مريم عليها السلام لم تتزوج، أما الزهراء فكان زوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال النبي صلى الله عليه وآله: “لو لم يخلق الله علي بن أبي طالب ما كان لفاطمة كفو”.
- الأبناء: مريم عليها السلام تشرفت بابنها عيسى عليه السلام، ولا نسل لها، أما أولاد الزهراء عليها السلام فتشرفوا بها، ومنها خرج نسل ممتد يملأ الأرض، وفيهم القائم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي سيصلي خلفه عيسى بن مريم عليهما السلام عند ظهوره.
وأما عن وفاتها، فتذكر الروايات أن عيسى كان معها يصوم النهار ويقوم الليل، ثم خرج يومًا يطلب الطعام، فجاء ملك الموت إلى مريم في محرابها، فقالت له: أجئت زائرًا أم قابضًا؟ قال: بل قابضًا. فلما رجع عيسى وجدها ساكنة لا تتحرك، فعلم أنها فارقت الحياة.
جاء في بعض الكتب: أن عيسى بن مريم قال لأمه: يا أماه أني وجدت مما علمني الله أن هذه الدار دار فناء وزوال، والآخرة هي التي لا تخرب أبدا، تعالي نأخذ من هذه الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية.
فانطلقا إلى جبل لبنان فكانا فيه يصومان النهار ويقومان الليل، يأكلان من ورق الأشجار ويشربان من ماء الأمطار فمكثا على ذلك زمانا، ثم ان عيسى هبط ذات يوم من الجبل إلى الوادي يلتقط الحشيش والبقول لإفطارهما، فلما هبط عيسى نزل ملك الموت على مريم وهي معتكفة في محرابها فقال: السلام عليك يا مريم الصائمة القائمة.
فقالت: وعليك السلام من أنت يا عبد الله؟ فقد اقشعر من صوتك جلدي وارتعدت فرائصي.
فقال: أنا الذي لا أرحم الصغير لصغره، ولا أوقر الكبير لكبره، أنا الذي لا استأذن على الملوك ولا أهاب الجبابرة، أنا مخرب الدور والقصور وعامر القبور، والمفرق بين الجماعات والأخوة والأخوات والآباء والأمهات، أنا قابض الأرواح أنا ملك الموت.
فقالت: جئتني زائرا أم قابضا؟
قال: بل جئتك قابضا.
فبكت وقالت: أمهلني حتى يجئ ولدي عيسى.
فقال: لم أومر بذلك، وقبض روحها في الحال، ولما جاء ابنها عيسى وإذا بها ميتة، فقضى عندها وطرا من البكاء، ثم مضى إلى قرية من القرى، وجاء بحنوط وكفن ثم عاد إلى أمه ليقوم بتجهيزها، فرأى عندها جبرئيل وميكائيل والحور العين فتولوا أمرها، فلما كفنها عيسى رمى بنفسه عليها وهو يبكي حتى بكت الملائكة لبكائه.
متابعة القراءة...