ذكرى وفاة السيدة مريم عليها السلام | الملا حسن سلطان 1447هـ

SH3A3-Q

ابو الميرزا
طاقم الإدارة
إنضم
14 نوفمبر 2007
المشاركات
53,136
النقاط
113
العمر
49
الإقامة
QATIF-القطيف
عنوان المحاضرة: الوفاء بالعهد الإلهي: من بدر إلى كربلاء
المناسبة: ذكرى وفاة السيدة مريم عليها السلام 1447هـ
الخطيب: الملا حسن سلطان
التاريخ: 25 صفر 1447هـ
الموافق: الأربعاء 20 أغسطس 2025م

قال الله تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} آية 23 – سورة الأحزاب

اجتمع أربعة من أهل الإيمان وتعاهدوا على أن يُقتلوا في سبيل الله عز وجل: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وحمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. وكان اجتماعهم قبل هجرة جعفر بن أبي طالب، وتعاهدوا على الشهادة في سبيل الله. فاستشهد عبيدة يوم بدر، واستشهد الحمزة يوم أُحد، واستشهد جعفر في مؤتة، فنزلت الآية.

وقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن الآية، فقال بأنها نزلت في حمزة، وجعفر، وعبيدة بن الحارث، هؤلاء الذين استشهدوا في سبيل الله، ومنهم من ينتظر، وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.​

عن أبي جعفر عليه السلام عن أمير المؤمنين حديث طويل يقول فيه عليه السلام: …ولقد كنت عاهدت الله تعالى ورسوله، انا وعمى حمزة وأخي جعفر وابن عمى عبيدة، على أمر وفينا به لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله، فتقدمني أصحابي، وتخلفت بعدهم لما أراد الله تعالى فأنزل الله فينا {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} حمزة وجعفر وعبيدة، وانا والله المنتظر يا أخا اليهود، وما بدلت تبديلا.​

يمدح الله عز وجل هؤلاء في القرآن ويعظم شأنهم، ويصفهم بأنهم رجال بقوله: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ}، بعض الأحيان هناك مؤمن لكن صفات الرجولة غير متوفرة فيه، فصفة الذكورة: صفة ذات في قبال الأنوثة، لكن الرجولة صفة أخرى، من شروطها الصدق والوفاء بالعهود، ونجد هنا (الرجل) فبمعنى الرجولة في قبال (المرأة) بمعنى المروءة.

الوفاء بالعهد يرفع الإنسان درجات عند الله وبين الناس جميعاً. حتى غير المسلم يحترم من يفي بعهده، لأنها صفة محبوبة عند الناس، فكيف إذا كان الوفاء بعهد مع الله؟ لذلك فالإمام الحسين عليه السلام وصل لأعلى الدرجات لأنه وفى بعهده، كما قال النبي صلى الله عليه وآله للإمام الحسين عليه السلام: «إن لك في الجنة درجة لا تنالها إلا بالشهادة»، فعلى الإمام الحسين عليه السلام عهد مع الله عز وجل بالشهادة في سبيله، وعليه أن يفي به.

فكان خروج الإمام الحسين عليه السلام من أجل الوفاء بالعهد مع الله عز وجل، قال عليه السلام: «وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر». هنا يتبين أن الخروج هو للوفاء بالعهد مع الله عز وجل.

روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:
إن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله كتابا قبل وفاته، فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النجبة من أهلك.
قال: وما النجبة يا جبرئيل؟
فقال: علي بن أبي طالب وولده عليهم السلام.

وكان على الكتاب خواتيم من ذهب فدفعه النبي صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأمره أن يفك خاتما منه ويعمل بما فيه، ففك أمير المؤمنين عليه السلام خاتما وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى ابنه الحسن عليه السلام ففك خاتما وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين عليهما السلام، ففك خاتما فوجد فيه “أن اخرج بقوم إلى الشهادة”، فلا شهادة لهم إلا معك واشر نفسك لله عز وجل، ففعل، إلى آخر الرواية.

ومن هنا نفهم أن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام أيضاً كانوا مرتبطين بعهد مع الله ورسوله بالشهادة في سبيل الله، مثل زهير بن القين، الذي قيل فيه إنه كان عثماني الهوى، لدينا من الروايات 72 رواية، منها روايتين فقط من طرق العامة تقول بأنه عثماني الهوى، بينما 70 رواية معتبرة تثبت أنه علوي الهوى، ولكن تُركت كل هذه الروايات واعتمدت تلك الروايتين، فمن المسؤول عن ذلك؟! في رواية ذكرت قول زهير بن القين لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني، وإلا فهو آخر العهد، إني سأحدثكم حديثا: إنا غزونا بلنجر، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسي رضي الله عنه: أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم؟
فقلنا: نعم.
فقال: إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معهم مما أصبتم اليوم من الغنائم. فأما أنا فأستودعكم الله. قالوا: ثم والله ما زال في القوم مع الحسين عليه السلام حتى قتل رحمة الله عليه.

وهنا يتبين أن هناك عهودًا وأمور غيبية أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله سلمان المحمدي.

في رواية أخرى تذكر حادثة وقعت في يوم عاشوراء بعد أن استشهد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته، تبين الرواية أن هنالك عهد مع الله بالشهادة في سبيله، تقول الرواية: أنه وقعت صحيفة قد نزلت من السماء في يده -أي الحسين عليه السلام- الشريفة، فلما فتحها ونظر فيها إذا هي العهد المأخوذ عليه بالشهادة قبل خلق الخلق في هذه الدنيا، فلما نظر عليه السلام إلى ظهر تلك الصحيفة، فإذا هو مكتوب فيه بخط واضح جلى:
“يا حسين! نحن ما حتمنا عليك الموت، وما ألزمنا عليك الشهادة، فلك الخيار، ولا ينقص حظك عندنا، فإن شئت أن نصرف عنك هذه البلية، فاعلم أنا قد جعلنا السماوات والأرضين والملائكة والجن كلهم في حكمك، فأمر فيهم بما تريد من إهلاك هؤلاء الكفرة الفجرة لعنهم الله”.

فإذا بالملائكة قد ملأوا بين السماوات والأرض بأيديهم حراب من النار ينتظرون لحكم الحسين عليه السلام، وأمره فيما يأمرهم به من إعدام هؤلاء الفسقة.

فلما عرف عليه السلام مضمون الكتاب، وما في تلك الصحيفة، رفعها إلى السماء ورمى بها إليها وقال: “إلهي وسيدي! وددت أن أقتل وأحيى سبعين ألف مرة في طاعتك ومحبتك، سيما إذا كان في قتلي نصرة دينك، وإحياء أمرك وحفظ ناموس شرعك، ثم إني قد سئمت الحياة بعد قتل الأحبة وقتل هؤلاء الفتية من آل محمد صلى الله عليه وآله.

وقد قال النبي محمد صلى الله عليه وآله للإمام الحسين عليه السلام: “إن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة”، هذه الدرجة وهي من أعلى الدرجات قد وصل لها الإمام، وحينما وقعت في يده الصحيفة خُير بين النجاة أو المضي في طريق التضحية، فاختار الوفاء بالعهد مع الله ومع أصحابه.

وعلى الإنسان أن يسعى في الوفاء بعهده مع الله عز وجل، ومع رسوله صلى الله عليه وآله، ولا يكون ذلك إلا بالوفاء بعهدنا مع الإمام الحسين عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ” حسين مني وأنا منه أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط”، فكيف يمكن للإنسان أن يفي بعهده مع الله عز وجل ومع الإمام الحسين عليه السلام؟ فلا يكفي الوفاء مع الله سبحانه وتعالى دون الوفاء مع النبي محمد صلى الله عليه وآله ومع أهل بيته عليهم السلام، والتقرب من النبي وآل النبي يكون من خلال الإمام الحسين عليه السلام، فنجد أن الملائكة يتقربون بالإمام الحسين عليه السلام، كما حدث في قصة الملك فطرس، تقول الرواية: عن إبراهيم بن شعيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

إن الحسين بن علي لما ولد أمر الله عز وجل جبرئيل أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنئ رسول الله صلى الله عليه وآله من الله عز وجل ومن جبرئيل.

قال: فهبط جبرئيل فمر على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له “فطرس” كان من الحملة بعثه الله عز وجل في شئ فأبطأ عليه فكسر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة، فعبد الله تبارك وتعالى فيها سبعمائة عام حتى ولد الحسين بن علي عليهما السلام، فقال الملك لجبرئيل: يا جبرئيل أين تريد؟

قال: إن الله عز وجل أنعم على محمد بنعمة فبعثت أهنئه من الله ومني.

فقال: يا جبرئيل احملني معك لعل محمدا صلى الله عليه وآله يدعو لي.

قال: فحمله.

قال: فلما دخل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله هنأه من الله عز وجل، ومنه وأخبره بحال فطرس فقال النبي صلى الله عليه وآله: قل له: تمسح بهذا المولود، وعد إلى مكانك.

قال: فتمسح فطرس بالحسين بن علي عليهما السلام وارتفع، فقال: يا رسول الله أما إن أمتك ستقتله، وله علي مكافاة، ألا يزوره زائر إلا أبلغته عنه، ولا يسلم عليه مسلم إلا أبلغته سلامه، ولا يصلي عليه مصل إلا أبلغته صلاته، ثم ارتفع.

حتى إن آدم عليه السلام بعد أن أُنزل إلى الأرض أراد التوبة، وأراد أن يجد حواء عليها السلام، جاء جبرائيل وعلمه هذا الدعاء وهو دعاء الأنبياء: “يا حميد بحق محمد، يا عالي بحق علي، يا فاطر بحق فاطمة، يا محسن بحق الحسن، يا قديم الاحسان بحق الحسين”، فلما ذكر الحسين عليه السلام سالت دموعه وانخشع قلبه وقال: يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي؟

قال جبرئيل: ولدك هذا يصاب بمصيبة وتقصر عندها المصائب.

فقال: يا أخي وما هي؟

قال: يقتل عطشانا غريبا وحيدا ليس له ناصر ولا معين ولو تراه يا آدم ينادي: وا عطشاه وا قلة ناصراه حتى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان فلم يجبه أحد إلا بالسيوف وشرب الحتوف، فيذبح ذبح الشاة من قفاه ويكسب رحله أعداءه وتشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان ومعهم النسوان كذلك سبق في علم الواحد المنان، فبكى آدم مع جبرئيل بكاء الثكلى.

فنجد هنا أن الأنبياء عندما يريدون التقرب من الله عز وجل يكون تقربهم عن طريق الإمام الحسين عليه السلام، عن بريد بن معاوية العجلي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يا بن رسول الله أخبرني عن إسماعيل الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا}، أكان إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، فان الناس يزعمون أنه إسماعيل بن إبراهيم.

فقال عليه السلام: ان إسماعيل مات قبل إبراهيم، وان إبراهيم كان حجة لله كلها قائما صاحب شريعة، فإلى من ارسل إسماعيل اذن!

فقلت: جعلت فداك، فمن كان؟

قال عليه السلام: ذاك إسماعيل بن حزقيل النبي عليه السلام، بعثه الله إلى قومه فكذبوه فقتلوه وسلخوا وجهه، فغضب الله له عليهم فوجه إليه اسطاطائيل ملك العذاب، فقال له: يا إسماعيل انا اسطاطائيل ملك العذاب وجهني إليك رب العزة لاعذب قومك بأنواع العذاب ان شئت، فقال له إسماعيل: لا حاجة لي في ذلك.

فأوحى الله إليه: فما حاجتك يا إسماعيل، فقال: يا رب انك أخذت الميثاق لنفسك بالربوبية، ولمحمد بالنبوة، ولأوصيائه بالولاية، وأخبرت خير خلقك بما تفعل أمته بالحسين بن علي عليهما السلام من بعد نبيها، وانك وعدت الحسين عليه السلام ان تكر إلى الدنيا حتى ينتقم بنفسه ممن فعل ذلك به، فحاجتي إليك يا رب ان تكرني إلى الدنيا حتى انتقم ممن فعل ذلك بي كما تكر الحسين عليه السلام، فوعد الله إسماعيل بن حزقيل ذلك، فهو يكر مع الحسين عليه السلام.​



IMG_0102.jpg


IMG_0103.jpg


IMG_0104.jpg




متابعة القراءة...
 
عودة
أعلى أسفل