عنوان المحاضرة: الارتباط بالحسين عليه السلام: بين العاطفة والفكر والقلب
المناسبة: ذكرى استشهاد ابني مسلم بن عقيل عليهم السلام 1447هـ
الخطيب: الملا حسن سلطان
التاريخ: 26 صفر 1447هـ
الموافق: الخميس 21 أغسطس 2025م
هنالك ارتباط، كما ذكرنا في الأمس، بين الحسين سلام الله عليه وأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأعظم هذا الارتباط هو الارتباط القلبي، أن يرتبط المؤمن مع سيده ومولاه بقلبه، لأن هنالك عدة ارتباطات يمكن للإنسان أن يرتبط بها مع سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه:
المناسبة: ذكرى استشهاد ابني مسلم بن عقيل عليهم السلام 1447هـ
الخطيب: الملا حسن سلطان
التاريخ: 26 صفر 1447هـ
الموافق: الخميس 21 أغسطس 2025م
هنالك ارتباط، كما ذكرنا في الأمس، بين الحسين سلام الله عليه وأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأعظم هذا الارتباط هو الارتباط القلبي، أن يرتبط المؤمن مع سيده ومولاه بقلبه، لأن هنالك عدة ارتباطات يمكن للإنسان أن يرتبط بها مع سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه:
- ارتباط عاطفي: وهو سلاح ذو حدين.
- ارتباط فكري: وهذا الارتباط الفكري مذموم، لا يحبه أهل العلم ولا الفقهاء، ولا أهل البيت عليهم السلام يحبون مثل هذا الارتباط الفكري.
- الارتباط القلبي: وهو المطلوب، وهو الذي يطلبه أهل البيت سلام الله عليهم دائماً.
الارتباط الأول: الارتباط العاطفي:
نجد أن الإنسان قد تكون لديه عاطفة تشتعل في وقت معين وزمان مخصوص، فيصير ارتباطه قوياً. نلاحظ مثلاً في العاشر من المحرم أنّ هذا الإنسان يكون مرتبطاً بالحسين، نراه حسينياً، يسمع ويلطم ويؤدي هذه الشعائر، ويصلي في وقتها، ويلبس السواد، ولا يترك فريضة، وربما يصلي جماعة، فنراه ملتزماً، لكن ما إن تنتهي العشرة أو ينتهي شهر المحرم، أو ربما بعد شهرين، حتى تنتهي هذه العاطفة.
النبي صلى الله عليه وآله ماذا يقول؟ يقول: «إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا». أما هذا الذي بردت عنده الحرارة، فهو لم يطبق كلام النبي صلى الله عليه وآله، والحسين سلام الله عليه سفينة نجاة، يقول النبي صلى الله عليه وآله: «حينما عرج بي إلى السماء وجدت مكتوباً على ساق العرش: إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة». لاحظوا، فالحسين سفينة نجاة، والارتباط به يعني أنّ الحرارة باقية.
لكن كيف تبقى الحرارة؟ هل المطلوب مني أن أبكي يومياً؟ قد يقال إن هذا لا يقدر عليه الإنسان، لكن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه يقول: «فلأندبنك صباحا مساء ولأبكين عليك بدل الدموع دما»، يومياً يبكيه في الندبة، وما هي الندبة؟ أن تندب الحسين في كل يوم، صباحاً ومساءً، وأن تنادي: واحسيناه.
لكن الحرارة في قلب المؤمن كيف تكون؟ وعن طريق ماذا؟
تكون عن طريق ترك المحرمات، وعن طريق الابتعاد عن الانحراف عن طريق الإمام الحسين سلام الله عليه. نحن لا نريد أن نبتعد عن طريق الإمام الحسين عليه السلام. إذاً هذه الحرارة تبرد حين يبتعد الإنسان. تكون الحرارة باقية إذا كان متمسكاً بطريق الإمام الحسين عليه السلام، وتبقى إذا ابتعد عن المحرمات.
لاحظ أن الإنسان إذا لم يؤدب نفسه، فإنه يبتعد عن طريق الإمام الحسين سلام الله عليه. هذا الذي يرتكب المحرمات، لماذا يرتكبها؟ لو كانت الحرارة موجودة في قلبه، وكان يستشعر الإمام الحسين سلام الله عليه ومصيبته، لما كان ممكناً أن يذهب إلى هذا الذنب، أو إلى تلك النظرة المحرمة، أو الاستماع المحرم.
نرى بعض الشباب يقول: أنا لمدة شهرين أترك الاستماع إلى الغناء، أو لا أنظر نظرة محرمة. وهذا أمر جيد، ولا ينبغي أن نكون سلبيين، فهذا استطاع ترك الحرام لمدة شهرين، ومن الممكن أن يُشجَّع على الاستمرار أكثر، وهو شيء ممتاز، ولكن البعض يبتعد، ثم إذا انتهى شهر المحرم أو العشرة أو انتهى صفر، رجع إلى المعاصي: النظرة المحرمة، والاستماع المحرم، ومجالس البطالين، ما سبب هذا؟ سببه البرود، أي التعامل مع قضية الحسين سلام الله عليه ببرود.
هذا صاحب العاطفة يتأثر دائماً بما حوله. يخرج إليه اثنان أو ثلاثة ويقولون له: أنت تذهب وتجلس في المأتم، وأنت شخصيتك كذا، ومنصبك كذا، وأنت مدير! فيبدأ يتأثر. يقول: كلامهم صحيح، لماذا أهين نفسي؟ لماذا أجلس مع هؤلاء؟ فيبتعد. يجلس أولاً في وسط المجلس، ثم ينتقل إلى الجوانب، ثم صوب الباب، ثم يخرج. فإذا سُئل: لماذا خرجت؟ يقول: أنا لا أجلس مع كبار السن أو مع المراهقين.
نراه في البداية يشارك في اللطم وسط موكب العزاء، ثم يبتعد، لماذا؟ لأنهم قالوا له: هل أنت مراهق حتى تخرج إلى الشارع وتلطم؟ فيتأثر، وهكذا يتأثر بالشبهات، فما إن تُطرح عليه شبهة حتى يتأثر بها. إذا قيل له: كيف وأنت بهذا المستوى العقلي تصدق مثل هذه القضايا؟ يتأثر. هذا كله نتيجة عاطفة اشتعلت فترة من الزمن ثم بردت. والتعامل ببرود مع قضايا الإمام الحسين وأهل البيت سلام الله عليهم يؤدي بالإنسان إلى الفشل. فلابد أن يكون التعامل بحرارة.
الارتباط الثاني: الارتباط الفكري:
وهو ارتباط خطير جدًا على الإنسان، وفيه يتعامل الإنسان مع الدين بما يناسب أفكاره فقط، أي يأخذ من الإمام المعصوم ومن الدين ما يوافق فكره ويترك ما لا يوافقه، فإذا قال المعصوم قولاً، رده وقال: هذا غير معقول، هذا لا يمكن، لعل الرواية ضعيفة وليس لها سند، فيلجأ إلى ذلك حتى يبتعد عنها، وصنف آخر يقول: ذاك كان في زمان المعصوم، أما اليوم فلا يمكن تطبيقه، هذا خطأ كبير، لأن الدين إما أن يؤخذ كله أو لا يؤخذ، ولا يختار منها الإنسان ما يشتهي.
الشخصية القوية شيء ممتاز، وفرض الرأي في أمور الدنيا حسن، لكن لا يجوز أن يفرض الإنسان رأيه على دين الله، لا يمكن أن تختار ما تريد من الدين، التبعض في الدين يعني عدم الرضا، وهذه مشكلة تدخل الإنسان في متاهات. فيقول: هذه المسألة لا تعجبني، أو لا تذكروا لنا هذه المصيبة على المنبر، يتكلم من دون علم أو دراسة، وينفي بعض القضايا من عاشوراء لمجرد أنها لا تناسبه، أما العالم فإنه يتكلم عن علم ودراسة وإذا نفى مسألة، لكن البعض يتكسب بإثارة الفتن، فيقتطع كلام العلماء وينشره مبتوراً، العالم قد يقول: هذه القضية غير ثابتة عندي، والأفضل أن تأخذوا بالمشهور، لكن هذا الناقل لا يذكر الكلام كاملاً، بل يثير الشبهات ويتكسب بها، فيختار ما يشتهي من الكلام، وهذا لا يجوز، لأنه خيانة للأمانة، وهكذا يتعامل مع قضايا الإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام، فيقول: هذه تناسبني، وتلك لا تناسبني، ولو كان المعصوم في زماننا لما أقرها، فهو يريد أن يعلم المعصوم، وهذا خطير.
نجد مثالاً على ذلك في عبد الله بن عمر، بعد أن سمع بخروج الإمام الحسين، فقدم راحلته، وخرج خلفه مسرعا، فأدركه في بعض المنازل، فقال: أين تريد يا بن رسول الله؟ قال: العراق.
قال: مهلا ارجع إلى حرم جدك.
فأبى الحسين عليه السلام عليه، فلما رأى ابن عمر إباءه قال: يا أبا عبد الله، اكشف لي عن الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقبله منك.
فكشف الحسين عليه السلام عن سرته، فقبلها ابن عمر ثلاثا وبكى، وقال: أستودعك الله يا أبا عبد الله، فإنك مقتول في وجهك هذا.
ومع أنه كان يعرف مكانة الإمام الحسين عليه السلام عند رسول الله، وقد جلس مع النبي ورأى مكانته وسمع أحاديثه في الإمام الحسين عليه السلام. ولكنه اكتفى بالجانب الذي يناسبه وترك نصرته، بل تشمت على الإمام الحسين عليه السلام فيما بعد.
وهكذا نرى أن بعض الناس اليوم يقبلون ضريح الحسين عليه السلام، ثم يرتكبون الغيبة والنميمة ويسقطون الآخرين. فهم كالذين خذلوا الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء.
الارتباط الثالث: الارتباط القلبي:
الإمام الحسين عليه السلام يريد منا ارتباط القلب. يقول في الزيارة: «إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري»، فإجابة القلب أن تجعل الإمام الحسين عليه السلام في قلبك، فالوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى أهل البيت عليهم السلام يكون عبر الإمام الحسين عليه السلام، وأسرع طريق إلى الله هو الإمام الحسين عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وآله يقول بالبكاء على الإمام الحسين عليه السلام، وبزيارته، والإمام الصادق عليه السلام في حديث طويل في فضل البكاء على الإمام الحسين عليه السلام يقول: «ما عين أحب إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه، وما من باك يبكيه إلا وقد وصل فاطمة وأسعدها عليه ووصل رسول الله صلى الله عليه وآله وأدى حقنا». وقد قال صلى الله عليه وآله: «لا يزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلا الصديقون من أمتي»، فالنبي صلى الله عليه وآله لم يقل عنهم كذابين أو أهل ذنوب، بل سماهم صديقون، ورفع منزلتهم، وكان يحث على زيارة الإمام الحسين عليه السلام.
فإذا أردت أن تحب أهل البيت عليهم السلام وتجعل لهم مكانة في قلبك، فطريقك هو الإمام الحسين عليه السلام. «فقد أجابك قلبي» أن تجعل الإمام الحسين عليه السلام في قلبك، ولا تجعل الدنيا والملذات أعظم منه، الله يقول: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} آية 77 – سورة القصص، أي لا تنساه، ولكن لا تجعله أعظم من الإمام الحسين عليه السلام، وإجابة السمع أن لا تسمع ما لا يحبه الإمام الحسين عليه السلام، كالغيبة والنميمة. وإجابة البصر أن تنظر إلى الأمور من الزاوية التي يحبها الإمام الحسين عليه السلام، لا من زاويتك أنت، فإذا قال الفقه والشرع إن هذه المسألة حرام، فلا تبحث عن مخرج يبيحها.
نأخذ مثالاً: أولاد مسلم بن عقيل: فروا بعد أن أُحرقت الخيام، وقُبض عليهم في الكوفة، ووُضعوا في السجن. يقول الشيخ المفيد رحمه الله: ليلة واحدة فقط بقوا في السجن، وبعض المؤرخين يقول: سنة. وعلى كل حال، لما أُخرجوا من السجن وكانوا من شدة الجوع والعطش جِلدًا على عظم، وأول ما قالوه: لنقضِ ما فاتنا من الصلوات. هذا هو الارتباط الحقيقي بالحسين، أن يقدموا الصلاة التي فاتتهم بسبب القيود والفرار رغم الجوع والخوف.
نجد أن الإنسان قد تكون لديه عاطفة تشتعل في وقت معين وزمان مخصوص، فيصير ارتباطه قوياً. نلاحظ مثلاً في العاشر من المحرم أنّ هذا الإنسان يكون مرتبطاً بالحسين، نراه حسينياً، يسمع ويلطم ويؤدي هذه الشعائر، ويصلي في وقتها، ويلبس السواد، ولا يترك فريضة، وربما يصلي جماعة، فنراه ملتزماً، لكن ما إن تنتهي العشرة أو ينتهي شهر المحرم، أو ربما بعد شهرين، حتى تنتهي هذه العاطفة.
النبي صلى الله عليه وآله ماذا يقول؟ يقول: «إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا». أما هذا الذي بردت عنده الحرارة، فهو لم يطبق كلام النبي صلى الله عليه وآله، والحسين سلام الله عليه سفينة نجاة، يقول النبي صلى الله عليه وآله: «حينما عرج بي إلى السماء وجدت مكتوباً على ساق العرش: إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة». لاحظوا، فالحسين سفينة نجاة، والارتباط به يعني أنّ الحرارة باقية.
لكن كيف تبقى الحرارة؟ هل المطلوب مني أن أبكي يومياً؟ قد يقال إن هذا لا يقدر عليه الإنسان، لكن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه يقول: «فلأندبنك صباحا مساء ولأبكين عليك بدل الدموع دما»، يومياً يبكيه في الندبة، وما هي الندبة؟ أن تندب الحسين في كل يوم، صباحاً ومساءً، وأن تنادي: واحسيناه.
لكن الحرارة في قلب المؤمن كيف تكون؟ وعن طريق ماذا؟
تكون عن طريق ترك المحرمات، وعن طريق الابتعاد عن الانحراف عن طريق الإمام الحسين سلام الله عليه. نحن لا نريد أن نبتعد عن طريق الإمام الحسين عليه السلام. إذاً هذه الحرارة تبرد حين يبتعد الإنسان. تكون الحرارة باقية إذا كان متمسكاً بطريق الإمام الحسين عليه السلام، وتبقى إذا ابتعد عن المحرمات.
لاحظ أن الإنسان إذا لم يؤدب نفسه، فإنه يبتعد عن طريق الإمام الحسين سلام الله عليه. هذا الذي يرتكب المحرمات، لماذا يرتكبها؟ لو كانت الحرارة موجودة في قلبه، وكان يستشعر الإمام الحسين سلام الله عليه ومصيبته، لما كان ممكناً أن يذهب إلى هذا الذنب، أو إلى تلك النظرة المحرمة، أو الاستماع المحرم.
نرى بعض الشباب يقول: أنا لمدة شهرين أترك الاستماع إلى الغناء، أو لا أنظر نظرة محرمة. وهذا أمر جيد، ولا ينبغي أن نكون سلبيين، فهذا استطاع ترك الحرام لمدة شهرين، ومن الممكن أن يُشجَّع على الاستمرار أكثر، وهو شيء ممتاز، ولكن البعض يبتعد، ثم إذا انتهى شهر المحرم أو العشرة أو انتهى صفر، رجع إلى المعاصي: النظرة المحرمة، والاستماع المحرم، ومجالس البطالين، ما سبب هذا؟ سببه البرود، أي التعامل مع قضية الحسين سلام الله عليه ببرود.
هذا صاحب العاطفة يتأثر دائماً بما حوله. يخرج إليه اثنان أو ثلاثة ويقولون له: أنت تذهب وتجلس في المأتم، وأنت شخصيتك كذا، ومنصبك كذا، وأنت مدير! فيبدأ يتأثر. يقول: كلامهم صحيح، لماذا أهين نفسي؟ لماذا أجلس مع هؤلاء؟ فيبتعد. يجلس أولاً في وسط المجلس، ثم ينتقل إلى الجوانب، ثم صوب الباب، ثم يخرج. فإذا سُئل: لماذا خرجت؟ يقول: أنا لا أجلس مع كبار السن أو مع المراهقين.
نراه في البداية يشارك في اللطم وسط موكب العزاء، ثم يبتعد، لماذا؟ لأنهم قالوا له: هل أنت مراهق حتى تخرج إلى الشارع وتلطم؟ فيتأثر، وهكذا يتأثر بالشبهات، فما إن تُطرح عليه شبهة حتى يتأثر بها. إذا قيل له: كيف وأنت بهذا المستوى العقلي تصدق مثل هذه القضايا؟ يتأثر. هذا كله نتيجة عاطفة اشتعلت فترة من الزمن ثم بردت. والتعامل ببرود مع قضايا الإمام الحسين وأهل البيت سلام الله عليهم يؤدي بالإنسان إلى الفشل. فلابد أن يكون التعامل بحرارة.
الارتباط الثاني: الارتباط الفكري:
وهو ارتباط خطير جدًا على الإنسان، وفيه يتعامل الإنسان مع الدين بما يناسب أفكاره فقط، أي يأخذ من الإمام المعصوم ومن الدين ما يوافق فكره ويترك ما لا يوافقه، فإذا قال المعصوم قولاً، رده وقال: هذا غير معقول، هذا لا يمكن، لعل الرواية ضعيفة وليس لها سند، فيلجأ إلى ذلك حتى يبتعد عنها، وصنف آخر يقول: ذاك كان في زمان المعصوم، أما اليوم فلا يمكن تطبيقه، هذا خطأ كبير، لأن الدين إما أن يؤخذ كله أو لا يؤخذ، ولا يختار منها الإنسان ما يشتهي.
الشخصية القوية شيء ممتاز، وفرض الرأي في أمور الدنيا حسن، لكن لا يجوز أن يفرض الإنسان رأيه على دين الله، لا يمكن أن تختار ما تريد من الدين، التبعض في الدين يعني عدم الرضا، وهذه مشكلة تدخل الإنسان في متاهات. فيقول: هذه المسألة لا تعجبني، أو لا تذكروا لنا هذه المصيبة على المنبر، يتكلم من دون علم أو دراسة، وينفي بعض القضايا من عاشوراء لمجرد أنها لا تناسبه، أما العالم فإنه يتكلم عن علم ودراسة وإذا نفى مسألة، لكن البعض يتكسب بإثارة الفتن، فيقتطع كلام العلماء وينشره مبتوراً، العالم قد يقول: هذه القضية غير ثابتة عندي، والأفضل أن تأخذوا بالمشهور، لكن هذا الناقل لا يذكر الكلام كاملاً، بل يثير الشبهات ويتكسب بها، فيختار ما يشتهي من الكلام، وهذا لا يجوز، لأنه خيانة للأمانة، وهكذا يتعامل مع قضايا الإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام، فيقول: هذه تناسبني، وتلك لا تناسبني، ولو كان المعصوم في زماننا لما أقرها، فهو يريد أن يعلم المعصوم، وهذا خطير.
نجد مثالاً على ذلك في عبد الله بن عمر، بعد أن سمع بخروج الإمام الحسين، فقدم راحلته، وخرج خلفه مسرعا، فأدركه في بعض المنازل، فقال: أين تريد يا بن رسول الله؟ قال: العراق.
قال: مهلا ارجع إلى حرم جدك.
فأبى الحسين عليه السلام عليه، فلما رأى ابن عمر إباءه قال: يا أبا عبد الله، اكشف لي عن الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقبله منك.
فكشف الحسين عليه السلام عن سرته، فقبلها ابن عمر ثلاثا وبكى، وقال: أستودعك الله يا أبا عبد الله، فإنك مقتول في وجهك هذا.
ومع أنه كان يعرف مكانة الإمام الحسين عليه السلام عند رسول الله، وقد جلس مع النبي ورأى مكانته وسمع أحاديثه في الإمام الحسين عليه السلام. ولكنه اكتفى بالجانب الذي يناسبه وترك نصرته، بل تشمت على الإمام الحسين عليه السلام فيما بعد.
وهكذا نرى أن بعض الناس اليوم يقبلون ضريح الحسين عليه السلام، ثم يرتكبون الغيبة والنميمة ويسقطون الآخرين. فهم كالذين خذلوا الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء.
الارتباط الثالث: الارتباط القلبي:
الإمام الحسين عليه السلام يريد منا ارتباط القلب. يقول في الزيارة: «إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري»، فإجابة القلب أن تجعل الإمام الحسين عليه السلام في قلبك، فالوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى أهل البيت عليهم السلام يكون عبر الإمام الحسين عليه السلام، وأسرع طريق إلى الله هو الإمام الحسين عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وآله يقول بالبكاء على الإمام الحسين عليه السلام، وبزيارته، والإمام الصادق عليه السلام في حديث طويل في فضل البكاء على الإمام الحسين عليه السلام يقول: «ما عين أحب إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه، وما من باك يبكيه إلا وقد وصل فاطمة وأسعدها عليه ووصل رسول الله صلى الله عليه وآله وأدى حقنا». وقد قال صلى الله عليه وآله: «لا يزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلا الصديقون من أمتي»، فالنبي صلى الله عليه وآله لم يقل عنهم كذابين أو أهل ذنوب، بل سماهم صديقون، ورفع منزلتهم، وكان يحث على زيارة الإمام الحسين عليه السلام.
فإذا أردت أن تحب أهل البيت عليهم السلام وتجعل لهم مكانة في قلبك، فطريقك هو الإمام الحسين عليه السلام. «فقد أجابك قلبي» أن تجعل الإمام الحسين عليه السلام في قلبك، ولا تجعل الدنيا والملذات أعظم منه، الله يقول: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} آية 77 – سورة القصص، أي لا تنساه، ولكن لا تجعله أعظم من الإمام الحسين عليه السلام، وإجابة السمع أن لا تسمع ما لا يحبه الإمام الحسين عليه السلام، كالغيبة والنميمة. وإجابة البصر أن تنظر إلى الأمور من الزاوية التي يحبها الإمام الحسين عليه السلام، لا من زاويتك أنت، فإذا قال الفقه والشرع إن هذه المسألة حرام، فلا تبحث عن مخرج يبيحها.
نأخذ مثالاً: أولاد مسلم بن عقيل: فروا بعد أن أُحرقت الخيام، وقُبض عليهم في الكوفة، ووُضعوا في السجن. يقول الشيخ المفيد رحمه الله: ليلة واحدة فقط بقوا في السجن، وبعض المؤرخين يقول: سنة. وعلى كل حال، لما أُخرجوا من السجن وكانوا من شدة الجوع والعطش جِلدًا على عظم، وأول ما قالوه: لنقضِ ما فاتنا من الصلوات. هذا هو الارتباط الحقيقي بالحسين، أن يقدموا الصلاة التي فاتتهم بسبب القيود والفرار رغم الجوع والخوف.
متابعة القراءة...