عنوان المحاضرة: النظم وأثره في حياة الإنسان
المناسبة: ذكرى الهجوم على فاطمة الزهراء عليها السلام 1447هـ
الخطيب: الشيخ عباس الصائغ
التاريخ: 30 صفر 1447هـ
الموافق: الأحد 24 أغسطس 2025م
بسم الله الرحمن الرحين {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} آية 49 – سورة القمر.
وستجد أن النبي صلى الله عليه وآله منظم في كل هذه الأقسام، وعلينا أن نتأسى به.
متابعة القراءة...
المناسبة: ذكرى الهجوم على فاطمة الزهراء عليها السلام 1447هـ
الخطيب: الشيخ عباس الصائغ
التاريخ: 30 صفر 1447هـ
الموافق: الأحد 24 أغسطس 2025م
بسم الله الرحمن الرحين {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} آية 49 – سورة القمر.
لا يخفى عليكم ما للنَظم من أهمية في حياة الإنسان، فإذا كانت حياة الإنسان تسير بشكل منتظم كان أكثر إنتاجية وفاعلية وحيوية، وأمير المؤمنين عليه السلام في آخر لحظات حياته وفي وصيته الأخيرة وعادةً ما يذكر الإنسان في وصيته الأخيرة أهم الأمور، أوصى الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، وجميع أهل بيته، بل وأوصى كل من بلغه كتابه. فقال وصيةً جامعة: «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم».
أولاً أوصى بتقوى الله، وهذه وصية الأنبياء والأولياء. ثم أوصى بنظم الأمر، وهو أمر مهم، إذ إن هذا الكون كله يسير وفق نظام دقيق لا يتخلف قيد أَملة. والقرآن الكريم كثيرًا ما يذكر برهان النظم، حتى غطى على سائر الأدلة القرآنية، ليدل على أن أفضل طريق لمعرفة الله سبحانه وتعالى وقدرته هو التأمل في هذا النظام الدقيق والعجيب، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} آية 53 – سورة فصلت. وقال سبحانه وتعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} آية 40 – سورة يس، وقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} آية 49 – سوة الفمر، وقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} آية 4 – سورة التين.
المتأمل في كل ذلك يجد أن وراء هذا النظم الكوني خالق عظيم قدير قادر عليم، فالإنسان إذا أراد أن يكون أكثر إنتاجاً وصحة وحيوية فعليه أن يتناغم مع هذا النظم الكوني. أما إذا خالفه انعكست المضار عليه: تتعب أبدانه، وتضعف أذهانه، ويقل عطاؤه، ومن أمثلة ذلك أنّ الله سبحانه جعل النهار معاشاً للحركة والعمل، وجعل الليل سُباتاً للنوم والاستراحة، فإذا عكس الإنسان الأمر، وخالف هذا النظم، وسهر ليلًا ونام نهارًا، انعكست الخسارة عليه.
ورسول الله صلى الله عليه وآله كان أعجوبة في تنظيم الأمور في كل المجالات، ففي ثلاث وعشرين سنة غير نمط حياة العرب الجاهلية نقلة نوعية في السياسة والفكر والاقتصاد والأخلاق، وهذا الإنجاز العظيم لم يكن ليتحقق بغير تنظيم وتخطيط.
يمكن تقسيم النظم إلى ثلاثة أقسام:
أولاً أوصى بتقوى الله، وهذه وصية الأنبياء والأولياء. ثم أوصى بنظم الأمر، وهو أمر مهم، إذ إن هذا الكون كله يسير وفق نظام دقيق لا يتخلف قيد أَملة. والقرآن الكريم كثيرًا ما يذكر برهان النظم، حتى غطى على سائر الأدلة القرآنية، ليدل على أن أفضل طريق لمعرفة الله سبحانه وتعالى وقدرته هو التأمل في هذا النظام الدقيق والعجيب، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} آية 53 – سورة فصلت. وقال سبحانه وتعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} آية 40 – سورة يس، وقال: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} آية 49 – سوة الفمر، وقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} آية 4 – سورة التين.
المتأمل في كل ذلك يجد أن وراء هذا النظم الكوني خالق عظيم قدير قادر عليم، فالإنسان إذا أراد أن يكون أكثر إنتاجاً وصحة وحيوية فعليه أن يتناغم مع هذا النظم الكوني. أما إذا خالفه انعكست المضار عليه: تتعب أبدانه، وتضعف أذهانه، ويقل عطاؤه، ومن أمثلة ذلك أنّ الله سبحانه جعل النهار معاشاً للحركة والعمل، وجعل الليل سُباتاً للنوم والاستراحة، فإذا عكس الإنسان الأمر، وخالف هذا النظم، وسهر ليلًا ونام نهارًا، انعكست الخسارة عليه.
ورسول الله صلى الله عليه وآله كان أعجوبة في تنظيم الأمور في كل المجالات، ففي ثلاث وعشرين سنة غير نمط حياة العرب الجاهلية نقلة نوعية في السياسة والفكر والاقتصاد والأخلاق، وهذا الإنجاز العظيم لم يكن ليتحقق بغير تنظيم وتخطيط.
يمكن تقسيم النظم إلى ثلاثة أقسام:
- النظم الشخصي.
- النظم العائلي.
- النظم الاجتماعي.
وستجد أن النبي صلى الله عليه وآله منظم في كل هذه الأقسام، وعلينا أن نتأسى به.
- النظم الشخصي: الإنسان منظم في وقته، في عمله، أكله وشربه، وفي نومه. وقدم الإمام الكاظم عليه السلام نموذجاً حين قال: «اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات: لا تحدثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر، فإنه من حدث نفسه بالفقر بخل، ومن حدثها بطول العمر يحرص، اجعلوا لأنفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال ومالا يثلم المروة ومالا سرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنه روي: ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه».السيد الإمام رحمه الله مثالًا في تنظيم الوقت والأعمال، وأمره في ذلك عجيب، وقد كان مضرب المثل في ذلك، وعُرف عنه في النجف الأشرف أنه يخرج كل يوم من بيته لزيارة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فيذهب إلى الحرم ثم يعود،ومن أراد ضبط وقت ساعته ينتظر السيد الإمام ليعرف بالدقيقة متى يخرج من الحرم، وكذلك في مدينة قم المقدسة كان يُدرس في مسجد سلماسي القريب من الحرم، ويُروى أن من أراد ضبط ساعته ينتظر السيد الإمام ليعرف بالدقيقة متى يفتح باب المسجد، وحدث أنه استدعى عاملًا لإصلاح شيء في بيته، فقال له: احضر في الساعة المحددة. فتأخر العامل بضع دقائق، فلما جاء قال له الإمام: ارجع غدًا، فسأله العامل: لم؟ فقال: بضع دقائق أنجز فيها أعمالًا كثيرة، وأنت أخذت من وقتي، وهذا لأنه كان دقيقاً في أعماله.
فما بالك بالنبي صلى الله عليه وآله؟ لقد كان أعجوبة في تنظيم شؤونه الشخصية، حتى في أبسط الأمور كتمشيط لحيته، كان يمشطها بعدد معين؛ أربعين مرة من الأعلى، وإذا أراد الوضوء استعمل مقدارًا محددًا من الماء لا يزيد عليه، وإذا أراد الغُسل استعمل مقدارًا محددًا لا يتجاوز، وكان إذا دخل المسجد دخل برجله اليمنى، وإذا خرج خرج برجله اليسرى، هكذا كانت حياته كلها منظمة، صلوات الله عليه وآله. - النظم العائلي: الأسرة نواة المجتمع، ولا تصل لأهدافها إلا بالنظم، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله منظمًا في شؤون بيته وزوجاته، وكان يعدل بينهن في نظام رغم كثرة مشاغله الشخصية، ورغم كل المشاكل التي تحيط بالدولة الإسلامية التي كانت فتية في وقتها، ولهذا قال الحسين عليه السلام: سالت أبي عليه السلام عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك فإذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة اجزاء: جزء لله تعالى، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزأ جزء بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم منه شيئا وكان من سيرته في جزء الأمة ايثار أهل الفضل باذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل ويشغلهم فيما أصلحهم وأصلح الأمة من مسألته عنهم واخبارهم بالذي ينبغي.
- النظم الاجتماعي: وهذا من القضايا البالغة الأهمية، إذ ينبغي أن يعيش المجتمع حالة من النظم تمكنه من بلوغ مستوى عالٍ من الإنتاجية بأقل التكاليف والأوقات والجهود. فكثير من الجهود والأوقات والأموال تضيع بسبب غياب النظم وحلول العشوائية محله. فإذا تحقق التنظيم أمكن الوصول إلى إنتاج وعطاء أكبر من دون خسارة الوقت والجهد والمال.وقد ذهب بعض العلماء إلى أن وصية أمير المؤمنين عليه السلام الأخيرة تشير إلى هذا البعد المجتمعي تحديدًا، إذ قال: «نظم أمركم» لم يقل «أموركم» بصيغة الجمع، وهو ما يُفهم منه أن الأمر الواحد المقصود هو الشأن العام وقيادة المجتمع، ومع ذلك فوصيته تشمل النظم الشخصي والنظم الاجتماعي، غير أن النظم المجتمعي يظل أمرًا ومهما جدًا.
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله ذا قدرة عجيبة على تنظيم المجتمع وقيادته، وكان مشروعه الدعوي مشروعًا ضخمًا في مجتمعٍ جاهلي، وقد أنجز ذلك بتخطيط دقيق؛ فبدأ بالدعوة السرية، ثم انتقل إلى الدعوة العلنية ضمن عشيرته الأقربين، ثم عم أهل مكة، ثم توسع خارجها، ولم يهاجر إلى المدينة مباشرة، بل انتظر قدوم وفودها، وأخذ منهم البيعة، وعين النقباء، ثم هاجر. وكان أول ما قام به بناء المسجد النبوي ليكون مركزًا لاجتماع المسلمين وتنظيم شؤونهم، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار.
وفي الحروب والغزوات أظهر صلى الله عليه وآله قدرة فائقة على الإدارة والتخطيط العسكري، فمع قلة عدد المسلمين تمكنوا من هزيمة جيوش كبرى بفضل التنظيم الدقيق والتأييد والتسديد الإلهي، وعندما خالف بعض المسلمين خطته في غزوة أحد وقع الانكسار بعد أن كانوا على مشارف النصر، وهكذا أدار النبي المجتمع، ونحن أحوج ما نكون إلى الاقتداء به في جميع أبعاد التنظيم.
ومن غير المعقول الادعاء بأن النبي صلى الله عليه وآله ارتحل من الدنيا من غير أن يعين خليفة من بعده، مع أنه كان لا يخرج من المدينة إلا لمدة وجيزة إلا ويستخلف واليًا. وكيف يُتصور أنه يترك أمة بأكملها من غير قيادة؟!
وفي الحروب والغزوات أظهر صلى الله عليه وآله قدرة فائقة على الإدارة والتخطيط العسكري، فمع قلة عدد المسلمين تمكنوا من هزيمة جيوش كبرى بفضل التنظيم الدقيق والتأييد والتسديد الإلهي، وعندما خالف بعض المسلمين خطته في غزوة أحد وقع الانكسار بعد أن كانوا على مشارف النصر، وهكذا أدار النبي المجتمع، ونحن أحوج ما نكون إلى الاقتداء به في جميع أبعاد التنظيم.
ومن غير المعقول الادعاء بأن النبي صلى الله عليه وآله ارتحل من الدنيا من غير أن يعين خليفة من بعده، مع أنه كان لا يخرج من المدينة إلا لمدة وجيزة إلا ويستخلف واليًا. وكيف يُتصور أنه يترك أمة بأكملها من غير قيادة؟!
متابعة القراءة...