عنوان المحاضرة: أدوار الإمام الحسن العسكري في صيانة الدين وتهيئة الغيبة
المناسبة: ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام 1447هـ
الخطيب: الشيخ إبراهيم الحجي
التاريخ: 8 ربيع الأول 1447هـ
الموافق: الإثنين 1 سبتمبر 2025م
ورد عن سيدنا ومولانا أبي محمدٍ الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «ما مني أحد من آبائي بمثل ما منيت به من شك هذه العصابة في».
هذه الرواية الواردة عن الإمام العسكري صلوات الله وسلامه عليه تتحدث عن ذلك الظرف الاستثنائي الذي عاشه الإمام، وهو ظرف لم يمر به أحدٌ من آبائه الطاهرين، وهو التعتيم على إمامته وشخصه صلوات الله عليه. فنحن نجد أن من سبقه من الأئمة كانت إمامتهم واضحة، والحديث عنهم والتصريح بأسمائهم وبإمامتهم كان واضحاً متكررًا، ينص الإمام السابق على إمامة اللاحق صراحة، إلا في شأن الإمام العسكري صلوات الله عليه، فإن التعتيم وقع عليه حفاظًا على الإمام من التعرض للاغتيال والقتل؛ لأن السلطة العباسية كانت تعلم أن الإمام الحادي عشر سيخرج من صلبه من يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا، ويقضي على سلطانهم.
لذلك كان الإمام مرصودًا، وكان بيت الإمام الهادي عليه السلام مرصودًا، فأشخص من المدينة إلى سامراء؛ إلى هذه المنطقة العسكرية، إذ أن سامراء «منطقة العسكر» بعد أن شكا أهل بغداد من الأتراك وصلافتهم، فنقلهم الخليفة العباسي إلى هناك وصارت ثكنةً عسكرية. فنقل الإمام الهادي عليه السلام من المدينة إلى سامراء وتسمى “سُر من رأى” ليكون تحت المراقبة الدقيقة.
من هنا كان هذا التعتيم من الإمام الهادي صلوات الله عليه على إمامة الإمام العسكري، بل وعلى شخصيته نفسها؛ حتى إن شخصية الإمام العسكري كانت خافيةً حتى على كثيرٍ من أهل البيت العلوي والهاشمي، فلم يكن بنو هاشم يعرفون هذه الشخصية فضلًا عن أن يعرفوا أنه هو الإمام بعد أبيه.
والرواية التي يرويها لنا سعد الأشعري تبين هذا المعنى، فعندما توفي السيد محمد – المعروف بـ «سبع الدجيل»، ابن الإمام الهادي عليه السلام، والذي قتل بدس السم إليه؛ لأن شبهة الإمامة كانت تدور حوله وقد ظنت السلطة أنه هو الإمام بعد أبيه، فقامت باغتياله. فلما توفي السيد محمد وجاء الشيعة يعزون الإمام الهادي عليه السلام، يذكر سعد الأشعري أنه فرش للإمام الهادي عليه السلام في صحن داره، وتوافد الشيعة وبنو هاشم لتعزيته في ابنه السيد محمد، ودخل مع الإمام فتى قد شق جيبه وجاء فوقف عن يمين الإمام الهادي عليه السلام، فسأل بنو هاشم عنه، فقيل لهم أن هذا أبو محمد الحسن بن علي. عند ذلك عرفوا أن هذا هو ابن الإمام الهادي، وأنه هو الإمام بعد أبيه. وكان ذلك في أواخر حياة الإمام الهادي صلوات الله عليه، فالتعتيم على شخصية أبي محمد الحسن بن علي كان واضحًا، فضلًا عن التعتيم على إمامته.
وفي السنوات الست التي عاشها الإمام الحسن العسكري عليه السلام بعد أبيه الإمام الهادي عليه السلام -وهي مدة إمامته- كان على عاتقه أمران أساسيان:
وقد قام بهذه المسؤوليات في ظل ذلك التعتيم الشديد على إمامته، بل في ظل ظرفٍ أمني بالغ الحرج لم يمر بمثله أحدٌ من الأئمة قبله. ففي هذه السنوات الست التي عاشها بعد أبيه الإمام الهادي عليه السلام، عاصر أربعةً من خلفاء بني العباس، كلهم سعى إلى قتله واغتياله صلوات الله عليه.
عاصر المستعين، وقد سعى المستعين إلى قتله، ثم جاء من بعده المعتز، وكما يذكر ابن شهرآشوب، إن المعتز أمر سعيد الحاجب أن يأخذ الإمام إلى موضعٍ ناءٍ وأن يضرب عنقه بعيدًا عن أعين الناس، فكتب بعض الموالين للإمام إلى أبي محمد عليه السلام يخبرونه بما يدبره المعتز، وهذا يكشف أن للإمام العسكري عليه السلام عيونًا في البلاط العباسي، فخرج توقيعٌ من الإمام العسكري عليه السلام، وكانت الكتب الصادرة عنه تسمى «تواقيع»، جاء فيه: “بعد ثالث يأتيكم الفرج”، وما هي إلا ثلاثة أيام حتى انقض الأتراك على المعتز العباسي وقتلوه، وأراحوا البلاد والعباد من شره.
وهنا تظهر مفارقة عجيبة: فالعباسيون هم الذين استجلبوا الأتراك لما عرفوا به من الصلافة والشدة والغلظة والقسوة ليستعينوا بهم في تثبيت سلطانهم، لكن الأتراك تغلغلوا في السلطة العباسية حتى صاروا هم المتحكمين الحقيقيين؛ ينصبون من يشاؤون من الخلفاء ويعزلون من يشاؤون، حتى قال الشاعر في وصف الخليفة العباسي:
المناسبة: ذكرى شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام 1447هـ
الخطيب: الشيخ إبراهيم الحجي
التاريخ: 8 ربيع الأول 1447هـ
الموافق: الإثنين 1 سبتمبر 2025م
ورد عن سيدنا ومولانا أبي محمدٍ الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «ما مني أحد من آبائي بمثل ما منيت به من شك هذه العصابة في».
هذه الرواية الواردة عن الإمام العسكري صلوات الله وسلامه عليه تتحدث عن ذلك الظرف الاستثنائي الذي عاشه الإمام، وهو ظرف لم يمر به أحدٌ من آبائه الطاهرين، وهو التعتيم على إمامته وشخصه صلوات الله عليه. فنحن نجد أن من سبقه من الأئمة كانت إمامتهم واضحة، والحديث عنهم والتصريح بأسمائهم وبإمامتهم كان واضحاً متكررًا، ينص الإمام السابق على إمامة اللاحق صراحة، إلا في شأن الإمام العسكري صلوات الله عليه، فإن التعتيم وقع عليه حفاظًا على الإمام من التعرض للاغتيال والقتل؛ لأن السلطة العباسية كانت تعلم أن الإمام الحادي عشر سيخرج من صلبه من يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا، ويقضي على سلطانهم.
لذلك كان الإمام مرصودًا، وكان بيت الإمام الهادي عليه السلام مرصودًا، فأشخص من المدينة إلى سامراء؛ إلى هذه المنطقة العسكرية، إذ أن سامراء «منطقة العسكر» بعد أن شكا أهل بغداد من الأتراك وصلافتهم، فنقلهم الخليفة العباسي إلى هناك وصارت ثكنةً عسكرية. فنقل الإمام الهادي عليه السلام من المدينة إلى سامراء وتسمى “سُر من رأى” ليكون تحت المراقبة الدقيقة.
من هنا كان هذا التعتيم من الإمام الهادي صلوات الله عليه على إمامة الإمام العسكري، بل وعلى شخصيته نفسها؛ حتى إن شخصية الإمام العسكري كانت خافيةً حتى على كثيرٍ من أهل البيت العلوي والهاشمي، فلم يكن بنو هاشم يعرفون هذه الشخصية فضلًا عن أن يعرفوا أنه هو الإمام بعد أبيه.
والرواية التي يرويها لنا سعد الأشعري تبين هذا المعنى، فعندما توفي السيد محمد – المعروف بـ «سبع الدجيل»، ابن الإمام الهادي عليه السلام، والذي قتل بدس السم إليه؛ لأن شبهة الإمامة كانت تدور حوله وقد ظنت السلطة أنه هو الإمام بعد أبيه، فقامت باغتياله. فلما توفي السيد محمد وجاء الشيعة يعزون الإمام الهادي عليه السلام، يذكر سعد الأشعري أنه فرش للإمام الهادي عليه السلام في صحن داره، وتوافد الشيعة وبنو هاشم لتعزيته في ابنه السيد محمد، ودخل مع الإمام فتى قد شق جيبه وجاء فوقف عن يمين الإمام الهادي عليه السلام، فسأل بنو هاشم عنه، فقيل لهم أن هذا أبو محمد الحسن بن علي. عند ذلك عرفوا أن هذا هو ابن الإمام الهادي، وأنه هو الإمام بعد أبيه. وكان ذلك في أواخر حياة الإمام الهادي صلوات الله عليه، فالتعتيم على شخصية أبي محمد الحسن بن علي كان واضحًا، فضلًا عن التعتيم على إمامته.
وفي السنوات الست التي عاشها الإمام الحسن العسكري عليه السلام بعد أبيه الإمام الهادي عليه السلام -وهي مدة إمامته- كان على عاتقه أمران أساسيان:
- أن يعرف الناس بإمامته.
- أن يحفظ الدين، وأن يهيئ الأرضية لغيبة الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ لأن إثبات إمامته إثبات إمامة من يأتي بعده، فمن أبرز أدوار الإمام صلوات الله عليه صيانة الدين وحفظ الشريعة.
وقد قام بهذه المسؤوليات في ظل ذلك التعتيم الشديد على إمامته، بل في ظل ظرفٍ أمني بالغ الحرج لم يمر بمثله أحدٌ من الأئمة قبله. ففي هذه السنوات الست التي عاشها بعد أبيه الإمام الهادي عليه السلام، عاصر أربعةً من خلفاء بني العباس، كلهم سعى إلى قتله واغتياله صلوات الله عليه.
عاصر المستعين، وقد سعى المستعين إلى قتله، ثم جاء من بعده المعتز، وكما يذكر ابن شهرآشوب، إن المعتز أمر سعيد الحاجب أن يأخذ الإمام إلى موضعٍ ناءٍ وأن يضرب عنقه بعيدًا عن أعين الناس، فكتب بعض الموالين للإمام إلى أبي محمد عليه السلام يخبرونه بما يدبره المعتز، وهذا يكشف أن للإمام العسكري عليه السلام عيونًا في البلاط العباسي، فخرج توقيعٌ من الإمام العسكري عليه السلام، وكانت الكتب الصادرة عنه تسمى «تواقيع»، جاء فيه: “بعد ثالث يأتيكم الفرج”، وما هي إلا ثلاثة أيام حتى انقض الأتراك على المعتز العباسي وقتلوه، وأراحوا البلاد والعباد من شره.
وهنا تظهر مفارقة عجيبة: فالعباسيون هم الذين استجلبوا الأتراك لما عرفوا به من الصلافة والشدة والغلظة والقسوة ليستعينوا بهم في تثبيت سلطانهم، لكن الأتراك تغلغلوا في السلطة العباسية حتى صاروا هم المتحكمين الحقيقيين؛ ينصبون من يشاؤون من الخلفاء ويعزلون من يشاؤون، حتى قال الشاعر في وصف الخليفة العباسي:
خليفة في قفص
بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له
كما يقول الببغا
بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له
كما يقول الببغا
ثم جاء المهتدي من بعد المعتز، وأراد على حد زعمه أن يسير بسيرة الخلفاء العادلين، وكان يقول: إني لأستحي أن يكون في بني أمية خليفةٌ يعرف بالعدل والصلاح، ولا يكون في بني العباس مثله. ويقصد عمر بن عبد العزيز، فضرب قبةً للمظالم، وجلس للخاصة والعامة، وأظهر نفسه بمظهر المتنسك العابد، حتى شق ذلك على الناس عامة وعلى الأتراك خاصة، فهذا الذي ادعى التنسك والعدل قد قام بسجن الإمام العسكري صلوات الله عليه والتضييق عليه؛ فكيف يكون عادلاً وهو يسكت صوت أئمة الهدى لمجرد أنهم معارضون لسلطانه؟! وقد كانت سيرته مع الإمام العسكري عليه السلام كمن سبقه من الخلفاء؛ سعى هو أيضًا إلى قتله، وقد انقض الأتراك عليه وقتلوه وألحقوه بمن سبقه.
ثم جاء المعتمد العباسي من بعده. وكأن عقدةً أصابته؛ رأى أن من سبقه من الخلفاء لا يكاد أحدهم يبقى في السلطان إلا أشهرًا معدودة حتى ينقض عليه الأتراك ويقتلوه، فخاف أن يكون مصيره كمصيرهم. فلما وصل إلى منصب الخلافة قصد الإمام العسكري صلوات الله عليه وسأله أن يدعو الله له بطول العمر وبقاء السلطان، وهذا يبين أن خلفاء بني العباس وغيرهم كانوا يعرفون حق المعرفة من هم الأئمة، وأنهم خلفاء الله في الأرض، وأنه ليس بينهم وبين إجابة الدعاء حجاب.
والإمام عليه السلام لم يتردد في الدعاء له؛ لأنهم أبواب الرحمة، وهم امتدادٌ لرسول الله صلى الله عليه وآله الذي وصفه القرآن: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} آية 107 – سورة الأنبياء، ورحمة النبي صلى الله عليه وآله ليست خاصة بالمؤمنين، كما أن رحمة الله تعالى ليست خاصة بالمؤمنين، بل قال سبحانه: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} آية 156 – سورة الأعراف، فرحمة الله وسعت البِر والفاجر، والإمام عليه السلام بابٌ من أبواب هذه الرحمة، لذا لم يتردد في أن يدعو للمعتمد، واستجاب الله له، وطال عمر المعتمد وبقي في سلطانه عشرين عامًا، بخلاف من سبقه، لكنه مع ذلك لم يحفظ هذا الإحسان للإمام الحسن العسكري عليه السلام، وكانت شهادته عليه السلام على يديه؛ إذ دس إليه السم صلوات الله وسلامه عليه.
في ظل هذه الأجواء المشحونة عاش الإمام العسكري صلوات الله عليه سنوات إمامته الست، وكان لزاماً عليه أن يثبت إمامته للناس، فبأي أسلوبٍ فعل ذلك؟
الإمام العسكري صلوات الله عليه برز في شخصيته الجانب الإعجازي بشكلٍ لافتٍ، حتى تميز عن سائر الأئمة بوضوح هذا الجانب، يقول أبو هاشم الجعفري وهو من خلص أصحاب الأئمة، ومن البيت الهاشمي، الجعفري نسبةً إلى جعفر الطيار، وقد لازم كما يقال ثلاثةً من الأئمة: الإمام الجواد، الإمام الهادي، والإمام العسكري عليهم السلام: «ما دخلت على أبي محمد الحسن إلا رأيت منه آيةً تدل على إمامته».
وقد أحصى القطب الراوندي أربعين آيةً ظهرت على يد الإمام العسكري تدل على إمامته، وأحصى السيد هاشم البحراني في «مدينة المعاجز» 134 آيةٍ له عليه السلام، وأحصى الحر العاملي 133 آية، وأحصى العلامة المجلسي في «البحار» إحدى وثمانين آية، وكلها تشهد لإمامته صلوات الله عليه، أذا فأحد المسارات التي أثبت بها الإمام إمامته هو إظهار الآيات والمعاجز، سواء بإخباره عن المغيبات، أو بشفائه الحالات المستعصية، أو بإعماله ولاية التصرف في الكون وغير ذلك من الكرامات.
أما دوره الثاني فهو صيانة الدين وحفظ الإسلام والمسلمين، فكثيرةٌ هي الأحداث التي جرت في عهد الإمام العسكري عليه السلام وكان الإسلام فيها على المحك، فإما أن يبقى الإسلام أو يقضى عليه، منها ما كان من يعقوب بن إسحاق الكندي، المعروف بفيلسوف العراق، الذي شرع في مشروع كتابة كتابٍ يدعي فيه على حد زعمه أن القرآن متناقض، ومن المعروف أن شخصية بهذا المستوى العلمي، يعبر عنها بفيلسوف العراق، إذا خرج منها كتابٌ يزعم تناقض القرآن، فما أثره على الناس؟ سيكون لكلامه وقعٌ خطير، وهنا تدخل الإمام العسكري عليه السلام لإفشال هذا المشروع، خاطب الإمام أحد تلامذة الكندي قائلًا: «أما فيكم رجلٌ رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟»، فقال التلميذ: نحن من تلامذته، كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره، فأرشده الإمام إلى أن يدخل على الكندي فإذا استقر به المجلس أن يقول له: ألا يجوز أن يكون الله تعالى قد أراد بالآيات القرآنية غير المعاني التي ذهب إليها الكندي.
فاللغة العربية تمتاز بأن الكلمة الواحدة قد تحتمل معاني متعددة؛ فكلمة «العين» مثلاً تستعمل في العين الباصرة، والنبع، والجاسوس، وغير ذلك. فكيف تجزم بمعنى واحد وتبني عليه دعوى التناقض؟ والقرآن له ظاهرٌ وباطن، فيه المحكم والمتشابه، ولا يتكلم فيه حق الكلام إلا من خوطب به، وقد خص الله تعالى بهذا العلم من اصطفاهم من عباده: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} آية 32 – سورة فاطر، ولم يقل: أورثنا الكتاب عبادنا، بل: الذين اصطفينا من عبادنا.
امتثل ذلك التلميذ لأمر الإمام، ودخل على الكندي، وألقى عليه هذا السؤال، فسأله الكندي: أقسمت عليك الا ما أخبرتني من أين لك هذا؟ فقال: انه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك، فقال له الكندي: كلا ما مثلك من يهتدي الي هذا، عرفني من أين لك هذا؟ فألح عليه حتى اعترف وقال: أمرني بذلك أبو محمد الحسن العسكري صلوات الله عليه. فقال الكندي: الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا الا من ذلك البيت، ثم أعرض عن مشروعه وأحرق الكتاب.
ومن القضايا أيضاً: قضية الجاثليق. ففي زمنٍ من الأزمنة أصاب الناس القحط، فمنعت السماء قطرها والأرض بركتها، فلجأ الناس إلى الخليفة العباسي الذي كان يصور نفسه على أنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأمرهم أن يخرجوا للاستسقاء، فخرجوا اليوم الأول فلم يمطروا، واليوم الثاني كذلك، واليوم الثالث أيضًا. في اليوم الرابع خرج الجاثليق وهو زعيم النصارى ومعه النصارى، فما إن رفع كفيه إلى السماء حتى تجمعت السحب وهطلت الأمطار، وقد يظن البعض أنها مصادفة، لكن الأمر تكرر في اليوم التالي أيضًا: يخرج الجاثليق، يرفع يديه، فيجتمع السحاب ويهطل المطر، عندها اضطربت قلوب الناس، فإما أن يكون هؤلاء على الحق ليستجاب دعائهم ونحن على الباطل، أو أن في الأمر سرًا خفيًا، حتى إن البعض ارتد عن الإسلام.
فلجأ الناس إلى الخليفة يشكونخروجهم للاستسقاء مرارًا فلا يستجاب لهم، وهؤلاء النصارى يستجيب الله لهم! فاستدعى الخليفة الإمام العسكري عليه السلام وكان شجينًا، فأخرجه من السجن قائلًا له: أدرك دين جدك. وقد يبدو للوهلة الأولى أن الخليفة يغار على الدين، لكن الحقيقة أنه كان يخاف على كرسيه؛ لأنهم بنوا شرعيتهم على الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا ارتد الناس عن الإسلام وانكروا نبوة النبي، سقطت شرعيتهم وسلطانهم.
طلب الإمام من الخليفة أن يأمر النصارى بالخروج في اليوم التالي، وأن يجتمع الناس جميعًا، حتى يرى الجميع ما سيجري بأعينهم، فلما خرج الجاثليق ومعه النصارى ورفع كفيه إلى السماء، أمر الإمام غلمانه أن يقبضوا على يده اليمنى، وأن يخرجوا ما بين أصابعه، فقبضوا على يده واستخرجوا من بين أصابعه عظمًا ملفوفًا، فجاءوا به إلى الإمام، فلفه الإمام في خرقة وقال: هذا رجل مر بقبر نبي من الأنبياء فوقع إلى يده هذا العظم، وما كشف من عظم نبي إلا وهطلت السماء بالمطر.
فالقضية ليست استجابة دعاء الجاثليق، بل هي حيلةٌ بعظم نبي. ثم أمر الإمام أن يرفع الجاثليق يديه مرة أخرى من دون ذلك العظم، فرفع يديه ولم تستجب دعوته، فانكشف السر للناس ورجعوا إلى الإسلام.
الدور الثالث وهو تهيئة الإمام العسكري صلوات الله عليه لإمامة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه، فقد أثبت ولادة الإمام الحجة، وأكد أنه مولودٌ موجود، كما تذكر بعض النصوص أن أربعين رجلاً من كبار أصحابه احتشدوا في بيت الإمام العسكري، وفيهم عثمان بن سعيد العمري وهو من كبار أصحاب الإمام العسكري، ومن نواب الإمام الحجة عليه السلام، فقام عثمان بن سعيد وقال: يا بن رسول اللّه أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به مني. فأخبرهم الإمام بأنهم جاؤوا لمعرفة الحجة من بعده. فلم تمض ساعة حتى دخل عليهم غلامٌ وجهه كفلقة القمر، فقال الإمام: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي، فتهلكوا في أديانكم.
ثم أرسل الإمام العسكري عليه السلام ابنه الحجة مع أمه إلى مكة لحفظه؛ فلم يتركه في سامراء تحت أنظار السلطة العباسية، بل أبعده عن عيونهم، وهيأ لدولته ولغيبته، كما أن الإمام العسكري ألجأ الناس في حياته إلى الفقهاء والعلماء؛ فمع أنه كان حيًا موجودًا، كان يأمر الشيعة أن يرجعوا في مسائلهم إلى الثقات من الفقهاء، حتى يعتادوا على الرجوع إلى العلماء بعد غيبته، ولا يستغربوا ذلك حين يغيب الإمام الحجة.
ومن هنا نرى أن الإمام رغم ما تعرض له من التضييق، والملاحقة، والتشديد، والرقابة، والسعي إلى قتله، والتعتيم على إمامته، قام بكل أدواره على أكمل وجه، وهذا ما أقلق السلطة العباسية، فاندفع المعتمد في النهاية إلى اغتيال الإمام العسكري عليه السلام بدس السم إليه.
ثم جاء المعتمد العباسي من بعده. وكأن عقدةً أصابته؛ رأى أن من سبقه من الخلفاء لا يكاد أحدهم يبقى في السلطان إلا أشهرًا معدودة حتى ينقض عليه الأتراك ويقتلوه، فخاف أن يكون مصيره كمصيرهم. فلما وصل إلى منصب الخلافة قصد الإمام العسكري صلوات الله عليه وسأله أن يدعو الله له بطول العمر وبقاء السلطان، وهذا يبين أن خلفاء بني العباس وغيرهم كانوا يعرفون حق المعرفة من هم الأئمة، وأنهم خلفاء الله في الأرض، وأنه ليس بينهم وبين إجابة الدعاء حجاب.
والإمام عليه السلام لم يتردد في الدعاء له؛ لأنهم أبواب الرحمة، وهم امتدادٌ لرسول الله صلى الله عليه وآله الذي وصفه القرآن: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} آية 107 – سورة الأنبياء، ورحمة النبي صلى الله عليه وآله ليست خاصة بالمؤمنين، كما أن رحمة الله تعالى ليست خاصة بالمؤمنين، بل قال سبحانه: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} آية 156 – سورة الأعراف، فرحمة الله وسعت البِر والفاجر، والإمام عليه السلام بابٌ من أبواب هذه الرحمة، لذا لم يتردد في أن يدعو للمعتمد، واستجاب الله له، وطال عمر المعتمد وبقي في سلطانه عشرين عامًا، بخلاف من سبقه، لكنه مع ذلك لم يحفظ هذا الإحسان للإمام الحسن العسكري عليه السلام، وكانت شهادته عليه السلام على يديه؛ إذ دس إليه السم صلوات الله وسلامه عليه.
في ظل هذه الأجواء المشحونة عاش الإمام العسكري صلوات الله عليه سنوات إمامته الست، وكان لزاماً عليه أن يثبت إمامته للناس، فبأي أسلوبٍ فعل ذلك؟
الإمام العسكري صلوات الله عليه برز في شخصيته الجانب الإعجازي بشكلٍ لافتٍ، حتى تميز عن سائر الأئمة بوضوح هذا الجانب، يقول أبو هاشم الجعفري وهو من خلص أصحاب الأئمة، ومن البيت الهاشمي، الجعفري نسبةً إلى جعفر الطيار، وقد لازم كما يقال ثلاثةً من الأئمة: الإمام الجواد، الإمام الهادي، والإمام العسكري عليهم السلام: «ما دخلت على أبي محمد الحسن إلا رأيت منه آيةً تدل على إمامته».
وقد أحصى القطب الراوندي أربعين آيةً ظهرت على يد الإمام العسكري تدل على إمامته، وأحصى السيد هاشم البحراني في «مدينة المعاجز» 134 آيةٍ له عليه السلام، وأحصى الحر العاملي 133 آية، وأحصى العلامة المجلسي في «البحار» إحدى وثمانين آية، وكلها تشهد لإمامته صلوات الله عليه، أذا فأحد المسارات التي أثبت بها الإمام إمامته هو إظهار الآيات والمعاجز، سواء بإخباره عن المغيبات، أو بشفائه الحالات المستعصية، أو بإعماله ولاية التصرف في الكون وغير ذلك من الكرامات.
أما دوره الثاني فهو صيانة الدين وحفظ الإسلام والمسلمين، فكثيرةٌ هي الأحداث التي جرت في عهد الإمام العسكري عليه السلام وكان الإسلام فيها على المحك، فإما أن يبقى الإسلام أو يقضى عليه، منها ما كان من يعقوب بن إسحاق الكندي، المعروف بفيلسوف العراق، الذي شرع في مشروع كتابة كتابٍ يدعي فيه على حد زعمه أن القرآن متناقض، ومن المعروف أن شخصية بهذا المستوى العلمي، يعبر عنها بفيلسوف العراق، إذا خرج منها كتابٌ يزعم تناقض القرآن، فما أثره على الناس؟ سيكون لكلامه وقعٌ خطير، وهنا تدخل الإمام العسكري عليه السلام لإفشال هذا المشروع، خاطب الإمام أحد تلامذة الكندي قائلًا: «أما فيكم رجلٌ رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟»، فقال التلميذ: نحن من تلامذته، كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره، فأرشده الإمام إلى أن يدخل على الكندي فإذا استقر به المجلس أن يقول له: ألا يجوز أن يكون الله تعالى قد أراد بالآيات القرآنية غير المعاني التي ذهب إليها الكندي.
فاللغة العربية تمتاز بأن الكلمة الواحدة قد تحتمل معاني متعددة؛ فكلمة «العين» مثلاً تستعمل في العين الباصرة، والنبع، والجاسوس، وغير ذلك. فكيف تجزم بمعنى واحد وتبني عليه دعوى التناقض؟ والقرآن له ظاهرٌ وباطن، فيه المحكم والمتشابه، ولا يتكلم فيه حق الكلام إلا من خوطب به، وقد خص الله تعالى بهذا العلم من اصطفاهم من عباده: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} آية 32 – سورة فاطر، ولم يقل: أورثنا الكتاب عبادنا، بل: الذين اصطفينا من عبادنا.
امتثل ذلك التلميذ لأمر الإمام، ودخل على الكندي، وألقى عليه هذا السؤال، فسأله الكندي: أقسمت عليك الا ما أخبرتني من أين لك هذا؟ فقال: انه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك، فقال له الكندي: كلا ما مثلك من يهتدي الي هذا، عرفني من أين لك هذا؟ فألح عليه حتى اعترف وقال: أمرني بذلك أبو محمد الحسن العسكري صلوات الله عليه. فقال الكندي: الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا الا من ذلك البيت، ثم أعرض عن مشروعه وأحرق الكتاب.
ومن القضايا أيضاً: قضية الجاثليق. ففي زمنٍ من الأزمنة أصاب الناس القحط، فمنعت السماء قطرها والأرض بركتها، فلجأ الناس إلى الخليفة العباسي الذي كان يصور نفسه على أنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، فأمرهم أن يخرجوا للاستسقاء، فخرجوا اليوم الأول فلم يمطروا، واليوم الثاني كذلك، واليوم الثالث أيضًا. في اليوم الرابع خرج الجاثليق وهو زعيم النصارى ومعه النصارى، فما إن رفع كفيه إلى السماء حتى تجمعت السحب وهطلت الأمطار، وقد يظن البعض أنها مصادفة، لكن الأمر تكرر في اليوم التالي أيضًا: يخرج الجاثليق، يرفع يديه، فيجتمع السحاب ويهطل المطر، عندها اضطربت قلوب الناس، فإما أن يكون هؤلاء على الحق ليستجاب دعائهم ونحن على الباطل، أو أن في الأمر سرًا خفيًا، حتى إن البعض ارتد عن الإسلام.
فلجأ الناس إلى الخليفة يشكونخروجهم للاستسقاء مرارًا فلا يستجاب لهم، وهؤلاء النصارى يستجيب الله لهم! فاستدعى الخليفة الإمام العسكري عليه السلام وكان شجينًا، فأخرجه من السجن قائلًا له: أدرك دين جدك. وقد يبدو للوهلة الأولى أن الخليفة يغار على الدين، لكن الحقيقة أنه كان يخاف على كرسيه؛ لأنهم بنوا شرعيتهم على الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا ارتد الناس عن الإسلام وانكروا نبوة النبي، سقطت شرعيتهم وسلطانهم.
طلب الإمام من الخليفة أن يأمر النصارى بالخروج في اليوم التالي، وأن يجتمع الناس جميعًا، حتى يرى الجميع ما سيجري بأعينهم، فلما خرج الجاثليق ومعه النصارى ورفع كفيه إلى السماء، أمر الإمام غلمانه أن يقبضوا على يده اليمنى، وأن يخرجوا ما بين أصابعه، فقبضوا على يده واستخرجوا من بين أصابعه عظمًا ملفوفًا، فجاءوا به إلى الإمام، فلفه الإمام في خرقة وقال: هذا رجل مر بقبر نبي من الأنبياء فوقع إلى يده هذا العظم، وما كشف من عظم نبي إلا وهطلت السماء بالمطر.
فالقضية ليست استجابة دعاء الجاثليق، بل هي حيلةٌ بعظم نبي. ثم أمر الإمام أن يرفع الجاثليق يديه مرة أخرى من دون ذلك العظم، فرفع يديه ولم تستجب دعوته، فانكشف السر للناس ورجعوا إلى الإسلام.
الدور الثالث وهو تهيئة الإمام العسكري صلوات الله عليه لإمامة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه، فقد أثبت ولادة الإمام الحجة، وأكد أنه مولودٌ موجود، كما تذكر بعض النصوص أن أربعين رجلاً من كبار أصحابه احتشدوا في بيت الإمام العسكري، وفيهم عثمان بن سعيد العمري وهو من كبار أصحاب الإمام العسكري، ومن نواب الإمام الحجة عليه السلام، فقام عثمان بن سعيد وقال: يا بن رسول اللّه أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به مني. فأخبرهم الإمام بأنهم جاؤوا لمعرفة الحجة من بعده. فلم تمض ساعة حتى دخل عليهم غلامٌ وجهه كفلقة القمر، فقال الإمام: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي، فتهلكوا في أديانكم.
ثم أرسل الإمام العسكري عليه السلام ابنه الحجة مع أمه إلى مكة لحفظه؛ فلم يتركه في سامراء تحت أنظار السلطة العباسية، بل أبعده عن عيونهم، وهيأ لدولته ولغيبته، كما أن الإمام العسكري ألجأ الناس في حياته إلى الفقهاء والعلماء؛ فمع أنه كان حيًا موجودًا، كان يأمر الشيعة أن يرجعوا في مسائلهم إلى الثقات من الفقهاء، حتى يعتادوا على الرجوع إلى العلماء بعد غيبته، ولا يستغربوا ذلك حين يغيب الإمام الحجة.
ومن هنا نرى أن الإمام رغم ما تعرض له من التضييق، والملاحقة، والتشديد، والرقابة، والسعي إلى قتله، والتعتيم على إمامته، قام بكل أدواره على أكمل وجه، وهذا ما أقلق السلطة العباسية، فاندفع المعتمد في النهاية إلى اغتيال الإمام العسكري عليه السلام بدس السم إليه.
متابعة القراءة...