عنوان المحاضرة: الغم بين أسبابه النفسية والقهرية
المناسبة: تأبين المرحومة الحاجة مدينة (جميلة) عبد الله سند
الخطيب: الملا علي أحمد السعيد
التاريخ: 26 ربيع الأول 1447هـ
الموافق: الجمعة 19 سبتمبر 2025م
المنعطفات النفسية في الحياة تدخل الإنسان في الغم، وبعض هذه الغموم يكون الإنسان هو المتسبب في إدخالها على نفسه، وبعضها يكون قهريًا، ويعرف الغم بأشباهه، فهو قريب من مفردات كالحزن والهم، إلا أن دقة الاستعمال القرآني لهذه المفردات يكون دقيقًا. فعلى سبيل المثال نقول أن من مرادفات الغم: الحزن والهم، ولكن عند التطبيق والاستعمال يختلف كل منها عن الآخر.
فنجد أن الغم قد ورد في القرآن للدلالة على حالة الحزن الحاضرة التي يعيشها الإنسان عند وقوعه في منعطف نفسي أو مصيبة آنية، ففي اللحظة التي ينـزل فيها البلاء يسمى ذلك غمًا، ولهذا قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} آية 88 – سورة الأنبياء، وكذلك قوله تعالى: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} آية 40 – سورة طه.
أما الحزن في القرآن، فيلازم الإنسان بسبب أمر مضى. يقول تعالى في قصة يعقوب عليه السلام: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} آية 84 – سورة يوسف، أي بعد مرور زمن على فراق يوسف؛ فالغم تحول إلى حزنٍ ممتد. وأما الهم فيستعمل غالبًا لما يتعلق بالأمور المستقبلية. انظر مثلًا الآية التي تتحدث عن معركة أحد: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} آية 154 سورة آل عمران، أي صار لديهم قلقٌ على مستقبلهم.
وكما قلنا أن أسباب الغم منها ما يرجع إلى الإنسان نفسه، كذلك منها ما هو قهري من مصائب الدنيا؛ كالموت، والمرض، وفقد الأحبة، وتعرضهم للمكاره، وكذلك ضياع المصالح كخسارة التجارة، وهذا النوع خارج عن إرادة الإنسان، ولهذا الغم علاج يناسبه، لكن إذا كان سبب الغم من الإنسان نفسه، فلا يمكن الخروج منه إلا برفع أسبابه التي أوقع نفسه فيها.
ومن جملة الأسباب الذاتية:
ومن الأسباب الثانوية للغم؛ ضعف الإنسان أمام النوائب: فالإنسان قد يغم عند فقد الأحبة، لكن هل يستسلم لذلك؟ أم يجافي الحزن ويتوجه بقلبه إلى الله فينجيه من الغم؟
ومن الشواهد العظيمة على دخول الناس في الغم بسبب تصرفاتهم، ما جرى لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله في أحد. فقد أمر النبي ما يقارب الخمسين رجلًا أن يلزموا الجبل ويحفظوا ظهور المسلمين، ونهاهم عن النزول ولو رأوا النصر والغنائم، لكن أغلبهم خالف الأمر ونزل، فالتف خالد بن الوليد عليهم وأوقع فيهم القتل والجرح، فدخلوا في غم شديد بسبب سوء تصرفهم ومخالفتهم لأوامر النبي صلى الله عليه وآله.
وأصابهم الهلع فانقسموا يومئذ ثلاث فرق:
فنزل القرآن يعالج هذا المنعطف النفسي: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} آية 153 – سورة آل عمران.
فأنزل الله الأمن على الطائفة المترددة، أما الذين فروا بعيدا فلم يستفيدوا من هذا الأمان، وأما الذين بقوا مع النبي فلم يحتاجوا للأمن لأنهم كانوا ثابتين مطمئنين يجاهدون بين يديه، قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} آية 154 – سورة آل عمران.
وقد لخص القرآن ثلاثة خطوات للخروج من الغم:
ويبقى الحزن أثرا طبيعيًا، لكن لا ينبغي أن يطوق الإنسان حتى يوقعه في اليأس، ويفقده الطريق إلى الله.
وما من كرب وغم وقع فيه بشر كما وقع للإمام الحسين عليه السلام، وقد ورد في زيارة الأربعين (السلام على أسيرِ الكربات وقتيل العبرات)، ولكن انظر كيف واجه الإمام ذلك؛ لم يفوت لحظةً من اللحظات إلا وهو في ذكر الله عز وجل. كان دائمًا يلهج بذكره في كل موقف، حتى في أحلك الظروف، مسلمًا أمره إلى الله تعالى، فواجه القوم قائلا: يا ويلكم على ما تقاتلوني، على حق تركتة، أم سنة غيرتها، أم على شريعة بدلتها. فقالوا: بل نقاتلك بغضًا منا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قاتل، ثم وقف يستريح، فرماه الجعفي بحجرٍ على جبهته، مسح جبهته وقال: بسم الله وبالله، ومن الله وإلى الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، إياك أسأل العافية من كل سوء في الدنيا والآخرة، اللهم إنك تكفيني من كل أحد ولا يكفيني أحد منك، فاكفني من كل أحد ما أخاف وأحذر، واجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا، إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت على كل شيء قدير، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم استقبل سهم حرملة، وأخذ يعالج السهم، فلما أخرجه ملأ كفه من دمائه، ومرغ بها لحيته، وقال: هكذا أكون حتى ألقى جدّي رسول الله و أنا مخضوب بدمي.
لم ينكسر قط، ولم يدخل على رب الكربات إلا وهو مسلمٌ صابر، ولهذا لا يضيق صدر المؤمن إذا دخل في غم أو كرب، فالحسين عليه السلام كان أسير كل الكربات ولكنه بقي ثابتًا مُسلمًا أمره إلى الله عز وجل.
هكذا يواجه أولياء الله الغم، وهكذا يخرجون منه.
المناسبة: تأبين المرحومة الحاجة مدينة (جميلة) عبد الله سند
الخطيب: الملا علي أحمد السعيد
التاريخ: 26 ربيع الأول 1447هـ
الموافق: الجمعة 19 سبتمبر 2025م
المنعطفات النفسية في الحياة تدخل الإنسان في الغم، وبعض هذه الغموم يكون الإنسان هو المتسبب في إدخالها على نفسه، وبعضها يكون قهريًا، ويعرف الغم بأشباهه، فهو قريب من مفردات كالحزن والهم، إلا أن دقة الاستعمال القرآني لهذه المفردات يكون دقيقًا. فعلى سبيل المثال نقول أن من مرادفات الغم: الحزن والهم، ولكن عند التطبيق والاستعمال يختلف كل منها عن الآخر.
فنجد أن الغم قد ورد في القرآن للدلالة على حالة الحزن الحاضرة التي يعيشها الإنسان عند وقوعه في منعطف نفسي أو مصيبة آنية، ففي اللحظة التي ينـزل فيها البلاء يسمى ذلك غمًا، ولهذا قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} آية 88 – سورة الأنبياء، وكذلك قوله تعالى: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} آية 40 – سورة طه.
أما الحزن في القرآن، فيلازم الإنسان بسبب أمر مضى. يقول تعالى في قصة يعقوب عليه السلام: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} آية 84 – سورة يوسف، أي بعد مرور زمن على فراق يوسف؛ فالغم تحول إلى حزنٍ ممتد. وأما الهم فيستعمل غالبًا لما يتعلق بالأمور المستقبلية. انظر مثلًا الآية التي تتحدث عن معركة أحد: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} آية 154 سورة آل عمران، أي صار لديهم قلقٌ على مستقبلهم.
وكما قلنا أن أسباب الغم منها ما يرجع إلى الإنسان نفسه، كذلك منها ما هو قهري من مصائب الدنيا؛ كالموت، والمرض، وفقد الأحبة، وتعرضهم للمكاره، وكذلك ضياع المصالح كخسارة التجارة، وهذا النوع خارج عن إرادة الإنسان، ولهذا الغم علاج يناسبه، لكن إذا كان سبب الغم من الإنسان نفسه، فلا يمكن الخروج منه إلا برفع أسبابه التي أوقع نفسه فيها.
ومن جملة الأسباب الذاتية:
- تصرف الإنسان بعجلةٍ أو غضب: فالعجلة والغضب يدخلان الإنسان في الغم. ولهذا نلحظ أن القرآن يشير إلى ما وقع لموسى عليه السلام: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} آية 40 – سورة طه، ولم يكن قتلًا عن عمد للفساد، بل كان نصرةً لشيعته، لكنه ترك الأولى، فوقع في غم، ومثل ذلك يونس عليه السلام، حيث ترك الأولى فدخل في الغم، فنجاه الله من الغم.
- الإيحاء النفسي: وقد يدخل الإنسان في الغم بسبب الإيحاء النفسي، فقد يستيقظ الإنسان في الصباح وهو في خير وعافية، ثم يلقن نفسه: “أنا اليوم متعب، اليوم يبدو سيئًا…” فيستمر في ترديدها حتى يدخل فعلا في الغم.
- الغضب غير المنضبط: فمثلا: طفلٌ سكب شيئًا من الماء أو الشاي، فينفعل الأب غضبًا ويعاقبه بقسوة، فيدخل الطفل في توتر نفسي شديد قد يسبب اضطرابًا نفسيًا أو تبولًا لا إراديًا. ثم يندم الأب ويدخل في غمٍ لا ينقضي.
- الاستعجال في الحكم على الناس وإسقاط شخصياتهم دون ترو: فقد يسمع الإنسان خبرًا فينشره فيسقط به شخصًا، ثم يندم ويغتم. ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} آية 6 – سورة الحجرات.
- عدم القناعة بما عنده: فبعض الناس إذا رأى ما في يد غيره من النعم يدخل في المقارنات، فيغتم بسبب أمر تافه. والروايات تحث على أن لا ينظر الإنسان إلى ما في أيدي الناس، وأن يحمد الله على ما عنده.
ومن الأسباب الثانوية للغم؛ ضعف الإنسان أمام النوائب: فالإنسان قد يغم عند فقد الأحبة، لكن هل يستسلم لذلك؟ أم يجافي الحزن ويتوجه بقلبه إلى الله فينجيه من الغم؟
ومن الشواهد العظيمة على دخول الناس في الغم بسبب تصرفاتهم، ما جرى لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله في أحد. فقد أمر النبي ما يقارب الخمسين رجلًا أن يلزموا الجبل ويحفظوا ظهور المسلمين، ونهاهم عن النزول ولو رأوا النصر والغنائم، لكن أغلبهم خالف الأمر ونزل، فالتف خالد بن الوليد عليهم وأوقع فيهم القتل والجرح، فدخلوا في غم شديد بسبب سوء تصرفهم ومخالفتهم لأوامر النبي صلى الله عليه وآله.
وأصابهم الهلع فانقسموا يومئذ ثلاث فرق:
- فرقة لازمت النبي صلى الله عليه وآله، وقيل إن عددهم كان ثمانية، وفي مقدمتهم الإمام علي عليه السلام.
- وفرقة ابتعدت أمتارا تتهيأ للهرب.
- وفرقة صعدت الجبل وفرت بعيدا.
فنزل القرآن يعالج هذا المنعطف النفسي: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} آية 153 – سورة آل عمران.
فأنزل الله الأمن على الطائفة المترددة، أما الذين فروا بعيدا فلم يستفيدوا من هذا الأمان، وأما الذين بقوا مع النبي فلم يحتاجوا للأمن لأنهم كانوا ثابتين مطمئنين يجاهدون بين يديه، قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} آية 154 – سورة آل عمران.
وقد لخص القرآن ثلاثة خطوات للخروج من الغم:
- الاسترخاء وتهدئة النفس.
- تفويض الأمر إلى الله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}.
- عدم اجترار الماضي وتكراره في النفس: فلا يقل الإنسان: “لو فعلت كذا… لو لم أفعل كذا…”؛ لأن هذا يزيد الغم.
ويبقى الحزن أثرا طبيعيًا، لكن لا ينبغي أن يطوق الإنسان حتى يوقعه في اليأس، ويفقده الطريق إلى الله.
وما من كرب وغم وقع فيه بشر كما وقع للإمام الحسين عليه السلام، وقد ورد في زيارة الأربعين (السلام على أسيرِ الكربات وقتيل العبرات)، ولكن انظر كيف واجه الإمام ذلك؛ لم يفوت لحظةً من اللحظات إلا وهو في ذكر الله عز وجل. كان دائمًا يلهج بذكره في كل موقف، حتى في أحلك الظروف، مسلمًا أمره إلى الله تعالى، فواجه القوم قائلا: يا ويلكم على ما تقاتلوني، على حق تركتة، أم سنة غيرتها، أم على شريعة بدلتها. فقالوا: بل نقاتلك بغضًا منا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قاتل، ثم وقف يستريح، فرماه الجعفي بحجرٍ على جبهته، مسح جبهته وقال: بسم الله وبالله، ومن الله وإلى الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، إياك أسأل العافية من كل سوء في الدنيا والآخرة، اللهم إنك تكفيني من كل أحد ولا يكفيني أحد منك، فاكفني من كل أحد ما أخاف وأحذر، واجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا، إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت على كل شيء قدير، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم استقبل سهم حرملة، وأخذ يعالج السهم، فلما أخرجه ملأ كفه من دمائه، ومرغ بها لحيته، وقال: هكذا أكون حتى ألقى جدّي رسول الله و أنا مخضوب بدمي.
لم ينكسر قط، ولم يدخل على رب الكربات إلا وهو مسلمٌ صابر، ولهذا لا يضيق صدر المؤمن إذا دخل في غم أو كرب، فالحسين عليه السلام كان أسير كل الكربات ولكنه بقي ثابتًا مُسلمًا أمره إلى الله عز وجل.
هكذا يواجه أولياء الله الغم، وهكذا يخرجون منه.
متابعة القراءة...