ذكرى وفاة السيدة سكينة بنت الإمام الحسين عليهما السلام | السيد حسين الموسوي السنابسي 1447هـ

SH3A3-Q

ابو الميرزا
طاقم الإدارة
إنضم
14 نوفمبر 2007
المشاركات
53,136
النقاط
113
العمر
49
الإقامة
QATIF-القطيف
عنوان المحاضرة: الحكمة في الأحزان ودورها في تهذيب النفس وبناء الإنسان
المناسبة: ذكرى وفاة السيدة سكينة بنت الإمام الحسين عليهما السلام 1447هـ
الخطيب: السيد حسين الموسوي السنابسي
التاريخ: 5 ربيع الأول 1447هـ
الموافق: الخميس 28 أغسطس 2025م

بسم الله الرحمن الرحيم: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} آية 43 – 44 – سورة النجم.

في الشطر الأول من الآية الكريمة {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} آية 44 – سورة النجم، يبين سبحانه وتعالى أنه كما خلق الجانب الجسدي خلق معه المشاعر والمؤثرات من فرح وحزن وسرور وغضب وبكاء وضحك، كل ما يتبع جسد الإنسان من مشاعر إنسانية خلقه الله سبحانه وتعالى أيضاً، بمعنى أن لله خلق كل شيء: الجانب النفسي والجانب الجسماني، ولكل ما خلقه سبحانه وتعالى من مشاعر فرح أو حزن، غضب أو رضى، حب أو بغض، إنما خلقة سبحانه وتعالى لحكمة، حتى يتكامل الإنسان ويبني نفسه، كما أن الإنسان يحتاج أحياناً إلى الفرح والنشاط، يحتاج أحياناً إلى مواجهة الصعوبات والأحزان. ولذلك فقد خلق الله كل شيء بقدر وبحكمته، فلا يكون كل ما يكرهه الإنسان أمراً سلبياً بالضرورة، قد تكره شيئاً فيكون خيراً لك، قال تعالى {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} آية 216 – سورة البقرة.

أحياناً يصنع الإنسان أحزاناً، في يوم عاشوراء، شهر الحزن، وفي شهر صفر الذي مر علينا بعد عاشوراء، يوجد فيه من الأحزان والمصائب ما فيه، لكن مثل هذه الأحزان هي التي حافظت على الدين، هي التي حافظت على هذه الأمة، وبها استمرت الصلاة والصيام وباقي الشرائع والأحكام ببركة حزننا على الحسين عليه السلام، لذلك يحتاج الإنسان أحياناً إلى الحزن، فما حكمة خلق الأحزان من قبل الله سبحانه؟ إن الإنسان بطبيعته يبحث عن العافية، في الصلاة والسجود نسأل الله العافية، ونقول: “يا ولي العافية نسألك العافية”، لكن أحياناً يكون في الأحزان شيء من العافية لا يوجد إلا في الحزن، وكثير من الناس عندما يواجهون الفراغ وسهولة الأمور يتخذون مساراً خاطئاً أو سلوكاً غير سليم، وبعضهم إذا رأى الأمور ميسورة يذهب على غير هدى، فمتى يصحو الإنسان ويستيقظ على أخطائه؟ يكون ذلك عندما يصيبه الضر أو الخسارة أو الحزن، فهذه الصدمات تغير أحوال الإنسان وتعيده إلى نفسه وإلى إصلاح ما في داخله.​

ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: هذا دعاء العافية:
“يا الله يا ولي العافية، والمنان بالعافية، ورازق العافية، والمنعم بالعافية والمتفضل بالعافية، علي وعلى جميع خلقه، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما صل على محمد وآل محمد، وعجل لنا فرجا ومخرجا، وارزقنا العافية ودوام العافية في الدنيا والآخرة”.​

تقول السيدة الزهراء عليها السلام: “قد كان بعدك أنباء وهنبثة، لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب”، فالناس أحينا لا تتعظ من الكلام الواعي والأحاديث الواعظة، لأن الدنيا لها حالة من الإغترار، فالانسان كما فوصفه القرآن الكريم: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ} آية 6 – 7 – سورة العلق.

ومن فائدة هذه الصدمات التي تغير بعض من أحوال الإنسان، تعيد الإنسان من عبرته بالخارج إلى إصلاح الداخل، يراجع نفسه وتصرفاته، وكما يقول العلامة جعفر الحلي:​

عرف المَواعظَ لا تُفيد بمعشرٍ
صَمّوا عَن النَبأ العَظيم كَما عَموا​

ولكن مصيبة الحسين عليه السلام حركت القلوب وأيقظت العقول، وكان أمير المؤمنين ينظر إلى الحسين صلوات الله عليهما ويقول: يا عبرة كل مؤمن، فقال الإمام الحسين عليه السلام: أنا يا أبتاه، فقال: نعم يا بني.

ينظر النبي صلى الله عليه وآله إلى الإمام الحسين عليه السلام وهو مقبل، فيجلسه في حجره ويقول: إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا.

إن الحسين عليه السلام ببلائه يُعلم الأمة أن الدين مُقدم على كل شيء، وأنه مهما اشتدت الظروف على الإنسان فلا مجال لترك الأحكام، ورغم كل ما جرى على الحسين عليه السلام نقرأ في زيارة الأربعين: “لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها”.


وقد قالت زينب عليها السلام في مجلس الطاغية: “ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك فإني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكبر توبيخك”، 
وهنا يقف يزيد أمام إبائها عاجزًا عن الرد، وكلما رد عليها بقول من الباطل جاءته بالحق، فصار هو وأتباعه أذلاء، لنتعلم منها عليها السلام ومن أخيها الحسين عليه السلام أن قيمة الإنسان بدينه، ولهذا بقي ذكر زينب والحسين وسكينة عليهم السلام خالدًا في قلوب المؤمنين.

والحزن أحيانًا يقوي الإنسان؛ فالتربية في اليسر الدائم لا تصنع شخصيةً قادرةً على الوقوف، أما التربية على التحمل والصعوبات فهي التي تصنع القوة، وعلماء النفس التطوري يقولون إن الحزن والمحن هي التي تبني الشخصية. ويقول المثل: «الضربة التي لا تقتل… تقويه».

ولهذا قد يكون أعظم إنجازات الإنسان أنه خرج من المصائب سالمًا في دينه ونفسه، أما البعض، فعند نزول البلاء قد يخسر دينه أو إيمانه، كما قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} آية 10 – سورة العنكبوت، وقد ورد في دعاء الصباح: “يا من أرقدني في مهاد أمنه وأمانه، وأيقظني إلى ما منحني به من مِننه وإحسانه، وكف أكف السوء عني بيده وسلطانه”، ومع ذلك نجد البعض عند اشتداد الظروف عليه يخسر دينه، وقد ورد أن السيدة زينب عليها السلام قد خاطبها ابن زياد قائلا: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ وهنا قد قام ابن زياد بنسب أفعالهم وظلمهم وجورهم إلى الله، فقالت: ما رأيت إلا جميلا. وقد سئل زين العابدين عليه السلام: أقتل الله عليًا؟ قال: كان لي أخٌ، من قتله؟ قتله الناس.​

ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس، وأذن إذنا عاما، وجيئ برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه، وادخل نساء الحسين عليه السلام وصبيانه إليه، فجلست زينب بنت علي عليهما السلام متنكرة، فسأل عنها، فقيل: هذه زينب بنت علي.

فأقبل عليها فقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم.
فقال: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا.
فقال ابن زياد لعنه الله: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟
فقالت: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة.​

الأحزان تعلمك أن لا ملجأ إلا إلى الله، فالإنسان كلما تيسرت له الأمور ركن إلى الدنيا، فنجد أن من عنده أموال يركن إلى ماله، ومن عنده جمال يركن إلى جماله، ومن عنده علم يركن إلى علمه، وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ينبغي للعاقل أن يحترس من: سكر المال، وسكر القدرة، وسكر العلم، وسكر المدح، وسكر الشباب، فإن لكل ذلك رياحا خبيثة تسلب العقل وتستخف الوقار.

لذلك فالمصائب تأخذ الإنسان من حالة الإغترار، أن كان بمال أم علم أو بشيء من أمور الدنيا وترجعه إلى الله سبحانه وتعالى، وتحدث القرآن عن أصحاب الجنة الذين اغتروا بمالهم، وكان أبوهم يتصدق، فلما صارت الأرض إليهم أعرضوا عن الله سبحانه وتعالى وعن مكارم الأخلاق وأقسموا أن لا يدخلن اليوم عليهم مسكين، وما أفاقوا من هذه السكرة إلا بعد أن طاف عليها طائف فأصبحت كالصريم، قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)} سورة القلم.

الحزن الذي يدخل قلب الإنسان من فقد مالٍ أو شخصٍ أو ملكٍ يرده إلى الله، وهذا ما وجهه جبرائيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله: «أحبب ما شئت فإنك مفارقه»، لذلك كلما دخل الحز إلى قلب الإنسان فالينظر إلى سبب هذا لحزن، إن كان من أمر الدنيا فعليه أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى، و
هكذا كان خطاب الإمام الحسين عليه السلام في يوم العاشر لما صبحت الخيل الحسين رفع يديه وقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة.

ومن فوائد الحزن أيضًا أنه يكشف معادن الناس، فالمؤمن كما وصفه النبي صلى الله عليه وآله: ثلاث خصال من كن فيه استكمل خصال الإيمان: الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له.​



IMG_0287.jpg


IMG_0285.jpg


IMG_0282.jpg


IMG_0276.jpg


متابعة القراءة...
 
عودة
أعلى أسفل