
لا يستطيع المرء أن يستفيض بأي حديث في هذه الأيام وهذه الساعة دون أن يتطرق لما يحدث من مجازر واستباحة الأرض والعرض، يقف الإنسان عاجزاً وهو يرى تساقط الأطفال الرضع والشيوخ الكّهل والنساء الثكلى والشعب أعزل إلا من أنات وصراخ ويد ترفع إلى السماء على أنقاض المساجد ودور العبادة المستباحة تلهج بالغوث قائلةً ألا من ناصرٍ ينصرنا!!

قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة كان الإمام الحسين

لن أكون عرفانيا بالربط بينما يحدث في غزة، وثورة الإمام الحسين مع كثير من التطابقات من حيث العدد، والحصار، والجوع، والعطش، وخذلان الناصر.
غداً ستنجلي الغبرة وستضع الحرب أوزارها ويهرع الأحبة للبحث بين الأنقاض عن جثث وأشلاء ذويهم كما فعل في يوم الطف وستقام لهم المراسم وستخلد هذه الحادثة على مر الزمان كما يفعل الآن لإحياء واقعة الطف، وستجتاح العالم بلا حدود بعد أن انطلقت من دور مكتم عليها إلا من بضعة مناصرين خلص وتنامت.
من هنا، وفيما ستسجل مأساة غزة كمحطة للذكرى بالتزامن مع أحداث كربلاء، لنا أن نتساءل ما إذا كان باستطاعتنا إحياء ذكرى شهداءنا الذين سقطوا على أرض القطيف قبل ثلاثة عقود لا لشيء إلا أنهم خرجوا للشوارع تعبيراً عن رأيهم في أيام عاشوراء؟
نعم تأبى الذاكرة إلا أن تستحضر ذاك المشهد وجموع الناس تطوف الشوارع تصبح حناجرها معبرةً بانتمائها للإمام الحسين

ثلاثون عاماً برز خلالها جيل يتساءل اليوم ما الذي حدث قبل ثلاثة عقود؟ صف لي المشهد؟ كيف سقط الشهداء على هذه الأرض، وما هي الدواعي، كيف كانت تلك اليالي، ماهي النتائج التي تحققت سوى أنها ذكرى مؤلمة، تشيح الذاكرة عن مأساة ما حدث؟ عدا أنها كانت غوغائية!!
من هنا نكتشف براءة الناس وما حدث يضعنا أمام تساؤل، هو لولا أن الناس كانت تحيا على هامش هذه الحياة من إجحاف في حقها وشعورها بعدم المساواة لما خرجت بصوتٍ واحد سارت معبرةً بانتمائها للإمام الحسين

بعد مرور ثلاثة عقود أسست تلك الدماء هذا المشهد الذي نراه من "هامش" بسيط للتعبير عن حرية المعتقد، وما هذا الموكب الذي يسير اليوم إلا صناعة تلك الدماء الطاهرة، فحقها علينا أن تحفظ ولو بالشيء اليسير نظراً للظروف التي تحياها الطائفة.
باستطاعة كل فرد منا أن يأخذ على عاتقه أن يُبقي على تراثه من خلال الكلمة ويوصل هذا التراث المشرف إلى الأجيال المتعاقبة وإن كان المصاب عظيم إلا أننا نجتر الذاكرة المعتصرة الماً ونطلق العنان للسان "بحكاية كان يا ما كان" وهذا في ظني باستطاعة الكل أن يرويه لأولاده وأحفاده ممن عاصر الحدث. وبرأيي لا يعيب الآخر أن يكفّر عما حدث وأن يأخذ العبرة لنتجاوز معاً ونجنب أجيالنا المخاطر التي هي جلية على امتداد العالمين ومكامن الحلول الرجوع لكلمة سواء.
خاصة أننا في هذه الأيام نشهد توتراً بسبب ما يحدث في غزة على أيدي الصهاينة، عكس بظلاله على العالم بأجمعه، وقد كان لنبض الشارع القطيفي حراكاً تظامنياً فخرج معبراً عن رفضه بمسيرة سلمية كباقي العواصم التي خرجت رافضة، علماً أن من حق الشعب السعودي كبقية الشعوب الحرة أن يبدي تضامنه التام مع ما يحدث، بدءً من أصغر مواطن مروراً بخادم الحرمين عندما تبرع بثلاثين مليون ريال إلى الشعب الغزاوي "المنكوب"، فلماذا وقعت الإعتقالات في الشارع القطيفي ألا يستدعي هذا أن نتساءل.
وختامي لهذه الذكرى المؤلمة أقول: كما جاء على لسان الحكماء أن أمة لا تحفظ دماء شهداءها لهي أمة لا تستحق الحياة
مصدر راصد