الشاعر الشهيد الكميت بن زيد الأسدي
من أعلام الشعر في العصر الأموي
يُعتبر الكميت بن زيد الأسدي من أوائل شعراء الإسلام الذين جعلوا من الشعر أداة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، وكان لذلك أثره البعيد في تثقيف جمهور الناس الذين استلهموا من هذه الأشعار روح الثورة وفكرة الإصلاح والتغيير.
مولده ونسبه
هو الكميت بن زيد الأسدي، لقبه أبو المستهل، نسبه ينتهي إلى مُضَر. ولد في الكوفة سنة 60 هـ على عهد بني أمية وقضى شطراً من صباه في مسقط رأسه، حيث تغذى فكره بثورة الحسين عليه السّلام، وقد عُرف عنه في مطلع حياته أنه كان يعلّم الصبيان في مسجد الكوفة ثم نبغ في الشعر حتّى أضحى من فحول الشعراء في عصره، حيث ارتسمت في قصائده صورة العصر وانعكست في مرآة أدبه حياة المجتمع من الناحيتين الاجتماعية والسياسية.
أخلاقه وصفاته
كان عالماً بلغات العرب، خبيراً بأيامها، وكان فيه عشر خصال لم تكن في شاعر: « كان خطيب بني أسد، فقيهاً، حافظاً للقرآن، ثبت الجنان، كاتباً حسن الخط، نشّابة جدلاً، أول من ناظر في التشيع، رامياً لم يكن في بني أسد أرمى منه، فارساً شجاعاً، سخياً ديِّناً »
وكان معروفاً بموالاته لأهل البيت عليهم السّلام مشهوراً بذلك، كما تشهد بذلك القصائد الهاشميات، وهي من جيّد شعره ومختاره. وكان جريئاً، مستبسلاً في الدفاع عن عقيدته، حتّى ولو كلفته حياته، وقد عانى في سبيل ذلك ألم السجن والتشرد والغربة حتّى فاز بالشهادة.
نبوغه في الشعر
منذ مطلع شبابه، أظهر الكيمت ذكاءاً نادراً، كما شهد له بذلك الشاعر الفرزدق حين التقاه في الكوفة وعرض عليه بواكير شعره فأثنى عليه
موقفه مع أئمّة أهل البيت
كان الكميت متفانياً في حب النبيّ وآله الطاهرين فمن شعره في رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله:
بك اجتمعـت أنسابنـا بعد فُـرقةٍ فنحن بنو الإسلام نُـدعى ونُنسَـبُ
حياتك كانـت مجدَنـا وسنـاءنـا وموتك جدعٌ للعرانين مرعبُ
فبُوركتَ مولوداً وبوركـت ناشئـاً وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيبُ
وبورك قبر أنـت فيـه وبُوركـت بـه ولـه أهـل بـذلـك يثـربُ
لقد غُيِّبـوا بـراً وصـدقاً ونائـلاً عشية واراك الصفيح المنصّبُ
وقال مادحاً أمير المؤمنين عليّاً عليه السّلام ومشيراً إلى أثر فقده في الأُمة:[/
فنعـم طبيـب النـاس مِن أمـر أُمةٍ تـواكلهـا ذو الطـبّ والمـتطبّـبُ
ونـعـم ولـيُّ الأمـر بعـد وليـه ومنتجـع التقـوى ونعـم المـؤدِّبُ
لـه ستـرتا بسـطٍ فكـفٌّ بـهـذه بكفُّ وبالأُخرى العوالـي تُخضَّـبُ
محـاسن مـن دنيـا وديـنٍ كأنّمـا بها حلّقت بالأمس عنقاء مُعِربُ
أقوال العلماء فيه
سئل معاذ الهراء: مَن أشعرُ الناس ؟ قال: أمن الجاهليّين ؟ أم من الإسلاميين ؟ قالوا: بل من الجاهليين. قال: امرؤ القيس، وزهير، وعبيد بن الأبرص. قالوا: فمِن الإسلاميين ؟ قال: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي. فقيل له: ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت ؟ قال: ذاك أشعر الأولين والآخرين.
ويقول عبدالحسين الأميني في غديره عن الكميت، محلّلاً مواقفه النبيلة: وللكميت في رده الصِّلات الطايلة على سروات المجد من بني هاشم تكرمة ومحمدة عظيمة أبقت له ذكرى خالدة. وكل من تلكم المواقف شاهد صدق على خالص ولائه وقوة إيمانه، وصفاء نيته وحسن عقيدته ورسوخ دينه وإباء نفسه وعلو همته، وثباته في مبدئه المقدس. وصدق مقاله للإمام السجاد عليه السّلام: إني قد مدحتك أن يكون لي وسيلة عند رسول الله.
وكان محلَّ احترام وتبجيل أئمّة الدين ورجالات بني هاشم، وكان في رده للصلات والأعطيات أكبر دليل على إخلاصه وولائه، فرد على عبدالله بن الحسن ضيعته التي أعطى له كتابها وكانت تساوي أربعة آلاف دينار.
ثم يضيف العلاّمة الأميني في تقريظه للكميت قائلاً: والواقف على شعره يراه كالباحث عن حتفه بظلفه، ويجده مستفتلاً بلسانه، قد عرّض لبني أمية دمه مستقبلاً صوارمهم، كما نص عليه الإمام زين العابدين عليه السّلام: اللهمّ إنّ الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك نفسَه حتّى ضن الناس وأظهر ما كتم غيره .
وفاته
حينما ثار زيد بن علي عليه السّلام على هشام، وقف الكميت يؤيد ويدعو للمشاركة في الثورة على حكم بني مروان، مما أثار عليه حكام عصره، فتعرض للأذى مراراً، وسُجن، وتشرّد كما يشير إلى ذلك في إحدى هاشمياته:
ألم تـرني من حـب آل محمـدٍ أروح وأغـدو خـائفاً أتـرقّبُ
كأنيَ جانٍ أو محـدثٌ أو كأنمـا بهم أُتّقى من خشية العار أجربُ
وتقضي المقادير أن تفشل ثورة زيد، ويُقتل على يدي يوسف بن عمر الثقفي والي العراق، ويصلب في الكناسة، فيحزن عليه الإمام الباقر عليه السّلام ومحبّوه، وينبري الكميت لهجاء يوسف الثقفي لما فعله بزيد:
يـعـزُّ علـى أحمـدٍ للـذي أصاب ابنَه الأمس من يوسفِ
خبيثٍ من المعشر الأخبثيـن وإن قلتُ زانيـن لـم أَقـذفِ
ومضت الأيام، وإذ بالكميت في مجلس يوسف بُعَيد قتله خالداً القسري الوالي السابق، وكان جنود من اليمانية وقوفاً على رأس يوسف، وكان يتحين فرصة للتخلص من الكميت، فأشار إليهم أن يضعوا سيوفهم في بطنه، ففعلوا ووجأوه فمات لساعته بعد نزف شديد
يقول المستهل بن الكميت: حضرت أبي عند الموت وهو يجود بنفسه فكان يفتح عينيه قائلاً: « اللهم آل محمد، اللهم آل محمد، اللهم آل محمد » ومات شهيداً ـ رضوان الله عليه ـ مدافعاً عن حق أهل البيت عليهم السّلام بمنتهى الجرأة والبسالة، باذلاً مهجته في سبيل الحق، رافعاً لواء الالتزام في الموقف والشعر. فرحمة الله عليه شاعراً شهيداً.
من أعلام الشعر في العصر الأموي
يُعتبر الكميت بن زيد الأسدي من أوائل شعراء الإسلام الذين جعلوا من الشعر أداة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، وكان لذلك أثره البعيد في تثقيف جمهور الناس الذين استلهموا من هذه الأشعار روح الثورة وفكرة الإصلاح والتغيير.
مولده ونسبه
هو الكميت بن زيد الأسدي، لقبه أبو المستهل، نسبه ينتهي إلى مُضَر. ولد في الكوفة سنة 60 هـ على عهد بني أمية وقضى شطراً من صباه في مسقط رأسه، حيث تغذى فكره بثورة الحسين عليه السّلام، وقد عُرف عنه في مطلع حياته أنه كان يعلّم الصبيان في مسجد الكوفة ثم نبغ في الشعر حتّى أضحى من فحول الشعراء في عصره، حيث ارتسمت في قصائده صورة العصر وانعكست في مرآة أدبه حياة المجتمع من الناحيتين الاجتماعية والسياسية.
أخلاقه وصفاته
كان عالماً بلغات العرب، خبيراً بأيامها، وكان فيه عشر خصال لم تكن في شاعر: « كان خطيب بني أسد، فقيهاً، حافظاً للقرآن، ثبت الجنان، كاتباً حسن الخط، نشّابة جدلاً، أول من ناظر في التشيع، رامياً لم يكن في بني أسد أرمى منه، فارساً شجاعاً، سخياً ديِّناً »
وكان معروفاً بموالاته لأهل البيت عليهم السّلام مشهوراً بذلك، كما تشهد بذلك القصائد الهاشميات، وهي من جيّد شعره ومختاره. وكان جريئاً، مستبسلاً في الدفاع عن عقيدته، حتّى ولو كلفته حياته، وقد عانى في سبيل ذلك ألم السجن والتشرد والغربة حتّى فاز بالشهادة.
نبوغه في الشعر
منذ مطلع شبابه، أظهر الكيمت ذكاءاً نادراً، كما شهد له بذلك الشاعر الفرزدق حين التقاه في الكوفة وعرض عليه بواكير شعره فأثنى عليه
موقفه مع أئمّة أهل البيت
كان الكميت متفانياً في حب النبيّ وآله الطاهرين فمن شعره في رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله:
بك اجتمعـت أنسابنـا بعد فُـرقةٍ فنحن بنو الإسلام نُـدعى ونُنسَـبُ
حياتك كانـت مجدَنـا وسنـاءنـا وموتك جدعٌ للعرانين مرعبُ
فبُوركتَ مولوداً وبوركـت ناشئـاً وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيبُ
وبورك قبر أنـت فيـه وبُوركـت بـه ولـه أهـل بـذلـك يثـربُ
لقد غُيِّبـوا بـراً وصـدقاً ونائـلاً عشية واراك الصفيح المنصّبُ
وقال مادحاً أمير المؤمنين عليّاً عليه السّلام ومشيراً إلى أثر فقده في الأُمة:[/
فنعـم طبيـب النـاس مِن أمـر أُمةٍ تـواكلهـا ذو الطـبّ والمـتطبّـبُ
ونـعـم ولـيُّ الأمـر بعـد وليـه ومنتجـع التقـوى ونعـم المـؤدِّبُ
لـه ستـرتا بسـطٍ فكـفٌّ بـهـذه بكفُّ وبالأُخرى العوالـي تُخضَّـبُ
محـاسن مـن دنيـا وديـنٍ كأنّمـا بها حلّقت بالأمس عنقاء مُعِربُ
أقوال العلماء فيه
سئل معاذ الهراء: مَن أشعرُ الناس ؟ قال: أمن الجاهليّين ؟ أم من الإسلاميين ؟ قالوا: بل من الجاهليين. قال: امرؤ القيس، وزهير، وعبيد بن الأبرص. قالوا: فمِن الإسلاميين ؟ قال: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي. فقيل له: ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت ؟ قال: ذاك أشعر الأولين والآخرين.
ويقول عبدالحسين الأميني في غديره عن الكميت، محلّلاً مواقفه النبيلة: وللكميت في رده الصِّلات الطايلة على سروات المجد من بني هاشم تكرمة ومحمدة عظيمة أبقت له ذكرى خالدة. وكل من تلكم المواقف شاهد صدق على خالص ولائه وقوة إيمانه، وصفاء نيته وحسن عقيدته ورسوخ دينه وإباء نفسه وعلو همته، وثباته في مبدئه المقدس. وصدق مقاله للإمام السجاد عليه السّلام: إني قد مدحتك أن يكون لي وسيلة عند رسول الله.
وكان محلَّ احترام وتبجيل أئمّة الدين ورجالات بني هاشم، وكان في رده للصلات والأعطيات أكبر دليل على إخلاصه وولائه، فرد على عبدالله بن الحسن ضيعته التي أعطى له كتابها وكانت تساوي أربعة آلاف دينار.
ثم يضيف العلاّمة الأميني في تقريظه للكميت قائلاً: والواقف على شعره يراه كالباحث عن حتفه بظلفه، ويجده مستفتلاً بلسانه، قد عرّض لبني أمية دمه مستقبلاً صوارمهم، كما نص عليه الإمام زين العابدين عليه السّلام: اللهمّ إنّ الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك نفسَه حتّى ضن الناس وأظهر ما كتم غيره .
وفاته
حينما ثار زيد بن علي عليه السّلام على هشام، وقف الكميت يؤيد ويدعو للمشاركة في الثورة على حكم بني مروان، مما أثار عليه حكام عصره، فتعرض للأذى مراراً، وسُجن، وتشرّد كما يشير إلى ذلك في إحدى هاشمياته:
ألم تـرني من حـب آل محمـدٍ أروح وأغـدو خـائفاً أتـرقّبُ
كأنيَ جانٍ أو محـدثٌ أو كأنمـا بهم أُتّقى من خشية العار أجربُ
وتقضي المقادير أن تفشل ثورة زيد، ويُقتل على يدي يوسف بن عمر الثقفي والي العراق، ويصلب في الكناسة، فيحزن عليه الإمام الباقر عليه السّلام ومحبّوه، وينبري الكميت لهجاء يوسف الثقفي لما فعله بزيد:
يـعـزُّ علـى أحمـدٍ للـذي أصاب ابنَه الأمس من يوسفِ
خبيثٍ من المعشر الأخبثيـن وإن قلتُ زانيـن لـم أَقـذفِ
ومضت الأيام، وإذ بالكميت في مجلس يوسف بُعَيد قتله خالداً القسري الوالي السابق، وكان جنود من اليمانية وقوفاً على رأس يوسف، وكان يتحين فرصة للتخلص من الكميت، فأشار إليهم أن يضعوا سيوفهم في بطنه، ففعلوا ووجأوه فمات لساعته بعد نزف شديد
يقول المستهل بن الكميت: حضرت أبي عند الموت وهو يجود بنفسه فكان يفتح عينيه قائلاً: « اللهم آل محمد، اللهم آل محمد، اللهم آل محمد » ومات شهيداً ـ رضوان الله عليه ـ مدافعاً عن حق أهل البيت عليهم السّلام بمنتهى الجرأة والبسالة، باذلاً مهجته في سبيل الحق، رافعاً لواء الالتزام في الموقف والشعر. فرحمة الله عليه شاعراً شهيداً.