أطوار وأكوار قريتي
بقلم
حسين أحمد سليم
آل الحاج يونس
Hasaleem
إسم معروف في بلادي, مشهور بين المقامات الكثيرة, المنتشرة في رياض سهل البقاع اللبناني الفسيح, إسم محبوب من الناس, تتحدث به الألسن الكارزة بالحق باستمرار, تهفو إليه القلوب العامرة بالإيمان, تتفكر فيه العقول التواقة للمعرفة, تعرج إليه النفوس المتطلعة للترقي, وتحوم في فضاءاته سيالات الأرواح الطاهرة...
سمة لمقام ترابي مستطيل, تمسك تربته حجارة رملية منحوتة, تغيرت مظاهر المقام بالتحديث البنائي, وصار رخاميا ناصع البياض, يحيط به قفص نحاسي مغلق بإرتفاع القامة, وهو ذات قداسة خاصة وعامة, تراثي من زمن بعيد غير محدود, أسطوري ليس له تاريخ مخطوط, قديم ذكره الرحالة والمؤرخون, قبلة الزوار منذ أمد ممتد, فوق ضريحه تقدم النذور, وتضاء كل ليلة القناديل والشموع, تعاقب على حراسته خدمة وسدنة عابدون, وتعبد في صرحه الكثيرون, ونال شرف الإنتساب له كتاب وشعراء وفنانون ومبدعون...
هندسيا, تعلوالمقام قبة إسلامية عربية تاريخية, ونوافذ شرقية مزججة بالألوان, وجهته محراب حجري منقوش, قبلته البيت الحرام في مكة, رحابه مسجد صغير, احمل كينونتي الجسدية في نهاية كل أسبوع, ميمما وجهي شطره, لأصلي خاشعا متعبدا مستلهما متخاطرا في جوار المقام, الذي يشغل محور السمت في المسجد, شماله رواق وصحن يطلان على مثوى صغير لمن كان لهم السبق بجواره, تحف به جنوبا روضة لمن شاء القدر له الرقاد إلى يوم الدين, فيها عطرت طفلتي تربة الروضة منذ زمن ليس ببعيد, إلى جانب صلة رحم لها سبقوها لجوار الرفيق الأعلى, تصرخ بي تخاطرني تأتيني بالرؤيا والحلم, أبتي لا تنسى الفاتحة كل ليلة جمعة تهديني...
إسمه المبارك, وسم قريتي الضادية اللسان, العربية الهوية, اللبنانية الجغرافيا, البقاعية الموقع, الريفية الهوى, الصغيرة المساحة, القليلة البنيان, الكبيرة المكانة, العظيمة العنفوان, القلب النابض بالمحبة, الصدر العامر بالمودة, موئل الأمل المرتجى, مرتع الأصالة الإنسانية, تراث حقب الماضي, كينوة واقع الحاضر, استشراق رؤى المستقبل الميمون...
قريتي, من سمت الموقع, غربي مدينة الشمس بعلبك, إلى كل أنحاء المعمورة, تحمل الخوافق من ضوع أريج أزهارها, رسائل حب وعشق, إلى كل الخلق في المشارق والمغارب, تخاطرها نجوم قبة السماء من هلال ونجمة قبة مئذنة المقام, والتي تفخربحمل إسم المبارك, صاحب المقام المقدس القائم متعملقا بمئذنته التي تعانق قبة السماء, تشق سكينتها برفع الأذان عند الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء, معلنة مواقيت الصلاة...
أهل قريتي يعتنقون المحبة دينا, ويعتقدون بالفكر مسارا حضاريا, ويمتطون صهوة العلم خشبة خلاص, ويمخرون عباب المعرفة شراع وعي باطني, ويعتمدون الثقافة منهل عصرنة, يمثلون أعلى نسبة واعية مثقفة متحضرة, ويعتبرون المقياس الذي عليه تقاس نسبة المعارف...
نقطة الثقل في سمت القرية, المتربعة على هضبة تطل على بيادر واسعة شمالا وغربا, ترقب حركة الحب في رحابها, لحصان عربي أصيل وفرس كحلاء يتهاديان راقصين, على إيقاعات طبل عربي, تتلاعب القضبان على رقه, بين أصابع عازف ماهر من بلادي, يلبس الكوفية المخططة السوداء المتهادية المتماوجة الشراريب البيضاء على كتفيه, المتناغمة والعقال المقصب المعلق في طرفه ذيل من حرير, يتوج رأسه كما التاج الملوكي, متدثرا بالقنباز العربي الرمادي المقلم , حازما خصره بشال أسود كزنار, فوق شروال أسود فضفاض واسع السرج, تختفي أكمام رجليه تحت جزمتين جلديتين رماديتين...
زاوية أخرى يتربع فيها عازف على الرباب, في يمينه قوس وتري من شعيرات ذيل أصيل, فتلت بقوة ممزوجة بمسحوق من قرص الشبة, وباليسرى تتكيء صندوقة رقية بعامود دقيق, شد في وسطها وتر آخر من شعيرات الفرس الكحلاء, يعانق القوس الوتري الوتر المنصوب بين طرفي المحور المشدود بقوة, لتتفتق الشعيرات عن أشجى الألحان, ويغني العازف العتابا والقصيد والشروقي والميجانا والدلعونا والروزانا والقرادي والزجل...
ناحية البئر القديم, خيمة من شعر الماعز, تقوم على عامود وسطي , تشد أطرافها الحبال الى أوتاد في الأرض, بداخلها قروي عتيق, بيده تهتز عصا مدق طويلة مزخرفة , في قلب وعاء خشبي مزخرف معتق, عنقه ضيق تجمله إسوارة من نحاس أحمر, يصدر دقات هارمونية حالمة, وهي تسحق حبوب البن العدني المحمص على نار الجمر, لصناعة القهوة العربية المحلاة بالهال, تتحدى القهوة التركية والأميركية والمعلبة, موسيقى دقة المهباج العربي أجمل موسيقى في عالم الفن الموسيقي, على وقعها ترقص كل الأصايل العربية المطهمة بالحب والعشق الشرقي...
عند بئر آخر يفور بالماء القراح, تتحلقن حوله راقصات الصبايا بلباسهن الفلكلوري القروي التراثي, على أنغام شبابة راع, تحاكي أنغامها سمفونيات خالدات, وهن يترنمون بأغنيات حالمات, من قريض شاعر المرأة والحب والجمال في القرية, والشباب حلقات حلقات يمارسن لعبة الدبكة على وقع مزمار مجوز, ينفخ فيه عجوز مخضرم في كار العزف عند المناسبات...
في الطرف الآخر, موقد يضطرم بالنار المتقدة من حطب أشجار السنديان, المقطع قطعا صغيرة من غابة مشاعات القرية, وفوق النار تتربع صاج دائرية محدودبة من معدن حديدي سميك, تكتنز حرارتها من قوة النار, تطرح فوقها لدائن العجين المرقوق بأكف إمرأة, بواسطة كارة من القماش, لتنضج خبزا أسمرا من طحين القمح البلدي, المزروع في تربة القرية...
قريتي تطل على النهر التاريخي شرقا, تتخاطر مع خرير المياه الحاملة للعشق الشرقي, النهر المنساب في مجراه الذي يقسم السهل بين مشرق الشمس ومغربها, صباحات قريتي سحابات من ضباب شفيف بارد يحمل الرذاذ الندي, يظللنا في غرة الصباح الباكر, يلامس أديم الأرض بلطف ناعم, تاركا بعض لزوجته فوق الأعشاب والورود المتفتقة الأزرار, يتغلغل بين أوراق اللأشجار المتشحة بالإخضرار, المثقلة بالثمار الناضجة, في أواخر صيف حار, غيوم بيضاء تظللنا في غرة الصباح الباكر, تتألق جمالا عند إشراقة الشمس وهي ترسل خيوطها الاولى في فضاءات قريتي ...
قريتي, مسقط رأسي, ورؤس أبنائي, وأحفادي, وأبائي, واعمامي, واخوالي, وأجدادي, وأسرتي , وسلالتي, حملت إسمها من إسم من تباركت أرضها بمقامه, قريتي موسومة بإسم الحب والعشق والمودة والرحمة, قريتي تفاخر القرى المحيطة بإسمها المبارك, قريتي تدعى: " قرية النبي رشادي "...
بقلم
حسين أحمد سليم
آل الحاج يونس
Hasaleem
إسم معروف في بلادي, مشهور بين المقامات الكثيرة, المنتشرة في رياض سهل البقاع اللبناني الفسيح, إسم محبوب من الناس, تتحدث به الألسن الكارزة بالحق باستمرار, تهفو إليه القلوب العامرة بالإيمان, تتفكر فيه العقول التواقة للمعرفة, تعرج إليه النفوس المتطلعة للترقي, وتحوم في فضاءاته سيالات الأرواح الطاهرة...
سمة لمقام ترابي مستطيل, تمسك تربته حجارة رملية منحوتة, تغيرت مظاهر المقام بالتحديث البنائي, وصار رخاميا ناصع البياض, يحيط به قفص نحاسي مغلق بإرتفاع القامة, وهو ذات قداسة خاصة وعامة, تراثي من زمن بعيد غير محدود, أسطوري ليس له تاريخ مخطوط, قديم ذكره الرحالة والمؤرخون, قبلة الزوار منذ أمد ممتد, فوق ضريحه تقدم النذور, وتضاء كل ليلة القناديل والشموع, تعاقب على حراسته خدمة وسدنة عابدون, وتعبد في صرحه الكثيرون, ونال شرف الإنتساب له كتاب وشعراء وفنانون ومبدعون...
هندسيا, تعلوالمقام قبة إسلامية عربية تاريخية, ونوافذ شرقية مزججة بالألوان, وجهته محراب حجري منقوش, قبلته البيت الحرام في مكة, رحابه مسجد صغير, احمل كينونتي الجسدية في نهاية كل أسبوع, ميمما وجهي شطره, لأصلي خاشعا متعبدا مستلهما متخاطرا في جوار المقام, الذي يشغل محور السمت في المسجد, شماله رواق وصحن يطلان على مثوى صغير لمن كان لهم السبق بجواره, تحف به جنوبا روضة لمن شاء القدر له الرقاد إلى يوم الدين, فيها عطرت طفلتي تربة الروضة منذ زمن ليس ببعيد, إلى جانب صلة رحم لها سبقوها لجوار الرفيق الأعلى, تصرخ بي تخاطرني تأتيني بالرؤيا والحلم, أبتي لا تنسى الفاتحة كل ليلة جمعة تهديني...
إسمه المبارك, وسم قريتي الضادية اللسان, العربية الهوية, اللبنانية الجغرافيا, البقاعية الموقع, الريفية الهوى, الصغيرة المساحة, القليلة البنيان, الكبيرة المكانة, العظيمة العنفوان, القلب النابض بالمحبة, الصدر العامر بالمودة, موئل الأمل المرتجى, مرتع الأصالة الإنسانية, تراث حقب الماضي, كينوة واقع الحاضر, استشراق رؤى المستقبل الميمون...
قريتي, من سمت الموقع, غربي مدينة الشمس بعلبك, إلى كل أنحاء المعمورة, تحمل الخوافق من ضوع أريج أزهارها, رسائل حب وعشق, إلى كل الخلق في المشارق والمغارب, تخاطرها نجوم قبة السماء من هلال ونجمة قبة مئذنة المقام, والتي تفخربحمل إسم المبارك, صاحب المقام المقدس القائم متعملقا بمئذنته التي تعانق قبة السماء, تشق سكينتها برفع الأذان عند الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء, معلنة مواقيت الصلاة...
أهل قريتي يعتنقون المحبة دينا, ويعتقدون بالفكر مسارا حضاريا, ويمتطون صهوة العلم خشبة خلاص, ويمخرون عباب المعرفة شراع وعي باطني, ويعتمدون الثقافة منهل عصرنة, يمثلون أعلى نسبة واعية مثقفة متحضرة, ويعتبرون المقياس الذي عليه تقاس نسبة المعارف...
نقطة الثقل في سمت القرية, المتربعة على هضبة تطل على بيادر واسعة شمالا وغربا, ترقب حركة الحب في رحابها, لحصان عربي أصيل وفرس كحلاء يتهاديان راقصين, على إيقاعات طبل عربي, تتلاعب القضبان على رقه, بين أصابع عازف ماهر من بلادي, يلبس الكوفية المخططة السوداء المتهادية المتماوجة الشراريب البيضاء على كتفيه, المتناغمة والعقال المقصب المعلق في طرفه ذيل من حرير, يتوج رأسه كما التاج الملوكي, متدثرا بالقنباز العربي الرمادي المقلم , حازما خصره بشال أسود كزنار, فوق شروال أسود فضفاض واسع السرج, تختفي أكمام رجليه تحت جزمتين جلديتين رماديتين...
زاوية أخرى يتربع فيها عازف على الرباب, في يمينه قوس وتري من شعيرات ذيل أصيل, فتلت بقوة ممزوجة بمسحوق من قرص الشبة, وباليسرى تتكيء صندوقة رقية بعامود دقيق, شد في وسطها وتر آخر من شعيرات الفرس الكحلاء, يعانق القوس الوتري الوتر المنصوب بين طرفي المحور المشدود بقوة, لتتفتق الشعيرات عن أشجى الألحان, ويغني العازف العتابا والقصيد والشروقي والميجانا والدلعونا والروزانا والقرادي والزجل...
ناحية البئر القديم, خيمة من شعر الماعز, تقوم على عامود وسطي , تشد أطرافها الحبال الى أوتاد في الأرض, بداخلها قروي عتيق, بيده تهتز عصا مدق طويلة مزخرفة , في قلب وعاء خشبي مزخرف معتق, عنقه ضيق تجمله إسوارة من نحاس أحمر, يصدر دقات هارمونية حالمة, وهي تسحق حبوب البن العدني المحمص على نار الجمر, لصناعة القهوة العربية المحلاة بالهال, تتحدى القهوة التركية والأميركية والمعلبة, موسيقى دقة المهباج العربي أجمل موسيقى في عالم الفن الموسيقي, على وقعها ترقص كل الأصايل العربية المطهمة بالحب والعشق الشرقي...
عند بئر آخر يفور بالماء القراح, تتحلقن حوله راقصات الصبايا بلباسهن الفلكلوري القروي التراثي, على أنغام شبابة راع, تحاكي أنغامها سمفونيات خالدات, وهن يترنمون بأغنيات حالمات, من قريض شاعر المرأة والحب والجمال في القرية, والشباب حلقات حلقات يمارسن لعبة الدبكة على وقع مزمار مجوز, ينفخ فيه عجوز مخضرم في كار العزف عند المناسبات...
في الطرف الآخر, موقد يضطرم بالنار المتقدة من حطب أشجار السنديان, المقطع قطعا صغيرة من غابة مشاعات القرية, وفوق النار تتربع صاج دائرية محدودبة من معدن حديدي سميك, تكتنز حرارتها من قوة النار, تطرح فوقها لدائن العجين المرقوق بأكف إمرأة, بواسطة كارة من القماش, لتنضج خبزا أسمرا من طحين القمح البلدي, المزروع في تربة القرية...
قريتي تطل على النهر التاريخي شرقا, تتخاطر مع خرير المياه الحاملة للعشق الشرقي, النهر المنساب في مجراه الذي يقسم السهل بين مشرق الشمس ومغربها, صباحات قريتي سحابات من ضباب شفيف بارد يحمل الرذاذ الندي, يظللنا في غرة الصباح الباكر, يلامس أديم الأرض بلطف ناعم, تاركا بعض لزوجته فوق الأعشاب والورود المتفتقة الأزرار, يتغلغل بين أوراق اللأشجار المتشحة بالإخضرار, المثقلة بالثمار الناضجة, في أواخر صيف حار, غيوم بيضاء تظللنا في غرة الصباح الباكر, تتألق جمالا عند إشراقة الشمس وهي ترسل خيوطها الاولى في فضاءات قريتي ...
قريتي, مسقط رأسي, ورؤس أبنائي, وأحفادي, وأبائي, واعمامي, واخوالي, وأجدادي, وأسرتي , وسلالتي, حملت إسمها من إسم من تباركت أرضها بمقامه, قريتي موسومة بإسم الحب والعشق والمودة والرحمة, قريتي تفاخر القرى المحيطة بإسمها المبارك, قريتي تدعى: " قرية النبي رشادي "...