قلعة عنجر.. بقايا الحضارة العربية في لبنان

بيروت- محمد مزهر: يزخر لبنان من أقصاه إلى أقصاه بمئات المواقع الأثرية والسياحية منها ما هو من صنيع الخالق ومنها ما هو صنيعة الانسان كتلك القلاع والحصون التي شيدت على مر العصور الأمر الذي أثرى لبنان بحضارة قل نظيرها في منطقة الشرق الأوسط.
وتُعتبر مدينة عنجر الأثرية الواقعة على بُعد 58 كيلومتر إلى الشرق من بيروت نموذجاً لما كانت عليه المحطّات التجاريّة الكبرى التي يتحدّث عنها التاريخ القديم والوسيط.
وأقيمت قلعة عنجر التاريخية على مقربة من أحد أهم منابع أو عيون نهر الليطاني في موقع مميّز على خارطة الطرقات التي كانت تشقّ البقاع في الأزمنة القديمة والوسيطة. يشكّل موقع عنجر عُقدة رئيسيّة تلتقي عندها الطرق التي كانت تصل مناطق سوريا الشماليّة بشمال فلسطين وتلك التي كانت تصل الساحل بغوطة دمشق، وقد أسهم في ازدهارها في العصور القديمة والوسيطة وما يزال، وجود عين تتفجّر عند سفوح جبال لبنان الشرقيّة، وهي العين التي أعطت المدينة اسمها الحالي.
عنجر.. تاريخ حافل
يشتق اسم عنجر من اسم "عين جرّا" وذلك نسبة إلى مدينة "جرّا"، وهي مدينة قديمة أسّسها العرب الأيطوريّون في ذلك الموقع في أيام حكم خلفاء الاسكندر المقدوني، أي في غضون ما يُسمّى بالعصر المتأغرق.
وعلى الرغم من موقعها المميّز هذا، تختلف عنجر اختلافاً أساسياً عمّا سواها من المواقع والمدن الأثرية الأخرى في لبنان، فعلى عكس صور وصيدا أو بيروت وجبيل أو طرابلس وبعلبكّ التي شهدت تسلسلاً تاريخيّاً متواصلاً منذ إنشائها حتى اليوم، تعاقبت فيه الحقب والثقافات بشكل قلّ مثيله، فإن عنجر تبدو وكأنها مُنشأة عابرة، لم تعش أكثر من بضع عشرات من السنين في بدايات القرن الثامن للميلاد. وباستثناء مسجد بعلبكّ الأثري الكبير الذي بني في الفترة عينها، فإن عنجر تشكّل الموقع اللبناني الوحيد الذي يعود تاريخ إنشائه إلى العصر الأموي، تلك الحقبة الزاهرة في تاريخ الحضارة العربية.
دام حكم بني أميّة الذين أسسوا أول سلالة وراثيّة حاكمة في الإسلام، زهاء مئة سنة، إذ استمرّوا في الحكم من 660 م. حتى 750 م. وبفضل عدد من الخلفاء العظام، اتسعت حدود الدولة الإسلامية حتى بلغت السند شرقاً وجنوب فرنسا غرباً.
بيد أن الخلفاء الأمويين، وعلى الرغم من انشغالهم بإدارة شؤون امبراطوريّة مترامية الأطراف احتضنت في كنفها ثقافات وحضارات وتقاليد مختلفة، فقد أبقوا على الأواصر التي كانت تربطهم بالقبائل البدويّة التي كان لها شأن كبير في بسط سيطرتهم على تلك الأصقاع الواسعة. فكانوا لا يعزفون عن مغادرة العاصمة دمشق، ولا سيّما في أيام الربيع، لقضاء بعض الوقت على تخوم بادية الشام، متنقلين بين تلك القبائل، فيمضون أوقاتهم في الصيد برفقة شيوخها ويستمتعون بسماع شعرائها وقصّاصيها.
ورغبة في البقاء على اتصال بهذه القبائل، أقام الخلفاء على تلك التخوم مضارب صيد واستجمام، ما لبثت أن تحوّلت إلى مُستَقرّات مشيّدة بالحجر، تلعب دوراً متشعّب الوجوه. فكانت تلك المنشآت قصوراً وقلاعاً من جهة، ومراكز إنتاج زراعي وتجارة من جهة أخرى، بالإضافة إلى دورها في نشر نمط عيش مُدُني، كان من شأنه استجلاب البدو إلى التحضّر والاستقرار.
في هذا الإطار الحضاري وفي ظلّ تلك السياسة التي انتهجها خلفاء بني أميّة، أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك (705-715 م.) بإنشاء مدينة عنجر المحصّنة على بُعد نحو كيلومتر واحد إلى الجنوب الغربي من النبع المعروف بـِ "عين جرّا". ولتنفيذ مشروعه، استعان الخليفة بعدد من المهندسين والحرفيّين والصنّاع البيزنطيين والسوريين العارفين بتقاليد العمارة والزخرف القديمة الموروثة من أيام الرومان والإغريق. وقد استخرج هؤلاء الحجارة اللازمة للمشروع من عدد من المقالع المجاورة، كمقالع بلدة كامد اللوز، كما نقلوا أعدادً من العناصر البنائية الاخرى، كالأعمدة وقواعدها وتيجانها وتعتيباتها، من بقايا الأبنية الرومانيّة والبيزنطية التي عثروا عليها في الجوار، ولا سيّما من الموضع الذي كانت تقوم فيه مدينة "جرّا" القديمة. غير أن حياة عنجر لم تدُم طويلاً بعد وفاة مؤسسها. فقد دمّرها الخليفة مروان الثاني سنة 744، على أثر انتصاره على منازِعه إبراهيم بن الوليد في معركة دارت رحاها على مقربة منها. وما لبثت البلدة أن أخذت تتداعى حتى تحوّلت في القرن الرابع عشر إلى تلال من الأطلال والتراب وسط مساحات شاسعة من المستنقعات. وظلّت على هذه الحال حتى سنة 1943، عندما بدأت المديريّة العامة للآثار اللبنانيّة أعمال استكشافها.
وعلى الرغم من أن الحفريات الأثريّة وأعمال الترميم قد تناولت موقع عنجر منذ الخمسينات، فإن الموقع ما زال يحتفظ ببعض أسراره ولا سيّما من حيث علاقته بمدينة "جرّا-خلقيس" القديمة. ومن الملاحظ، من ناحية أخرى، أن مدينة الوليد لم تكن بعد قد اكتملت عندما دمّرها مروان الثاني، وهذا ما يظهر من خلال وجود أجزاء واسعة في داخلها لم يُعثر فيها على أيّة بُنىً من أي نوع كانت، اللهمّ إلا إذا كانت تلك المساحات تشكّل ما يمكن اعتباره حيّزاً من الخضرة أعدّ للتنزّه داخل أسوارها. يذكر أنّ قلعة عنجر تفتح أبوابها للزائرين يوميّاً، على مدار السنة، وعلى مقربة من الأطلال، يجد الزائر عدداً من المقاهي والمطاعم التي تقدّم له أشهى الاطباق اللبنانية والأرمنية، إضافة إلى سمك الترويت الطازج. ولا بدّ من الإشارة إلى أن عنجر تفتقر إلى الفنادق، لا سيّما وأن مدينة شتورة لا تبعد عنها أكثر من 15 كيلومتر.
وتُعتبر مدينة عنجر الأثرية الواقعة على بُعد 58 كيلومتر إلى الشرق من بيروت نموذجاً لما كانت عليه المحطّات التجاريّة الكبرى التي يتحدّث عنها التاريخ القديم والوسيط.
وأقيمت قلعة عنجر التاريخية على مقربة من أحد أهم منابع أو عيون نهر الليطاني في موقع مميّز على خارطة الطرقات التي كانت تشقّ البقاع في الأزمنة القديمة والوسيطة. يشكّل موقع عنجر عُقدة رئيسيّة تلتقي عندها الطرق التي كانت تصل مناطق سوريا الشماليّة بشمال فلسطين وتلك التي كانت تصل الساحل بغوطة دمشق، وقد أسهم في ازدهارها في العصور القديمة والوسيطة وما يزال، وجود عين تتفجّر عند سفوح جبال لبنان الشرقيّة، وهي العين التي أعطت المدينة اسمها الحالي.

عنجر.. تاريخ حافل
يشتق اسم عنجر من اسم "عين جرّا" وذلك نسبة إلى مدينة "جرّا"، وهي مدينة قديمة أسّسها العرب الأيطوريّون في ذلك الموقع في أيام حكم خلفاء الاسكندر المقدوني، أي في غضون ما يُسمّى بالعصر المتأغرق.
وعلى الرغم من موقعها المميّز هذا، تختلف عنجر اختلافاً أساسياً عمّا سواها من المواقع والمدن الأثرية الأخرى في لبنان، فعلى عكس صور وصيدا أو بيروت وجبيل أو طرابلس وبعلبكّ التي شهدت تسلسلاً تاريخيّاً متواصلاً منذ إنشائها حتى اليوم، تعاقبت فيه الحقب والثقافات بشكل قلّ مثيله، فإن عنجر تبدو وكأنها مُنشأة عابرة، لم تعش أكثر من بضع عشرات من السنين في بدايات القرن الثامن للميلاد. وباستثناء مسجد بعلبكّ الأثري الكبير الذي بني في الفترة عينها، فإن عنجر تشكّل الموقع اللبناني الوحيد الذي يعود تاريخ إنشائه إلى العصر الأموي، تلك الحقبة الزاهرة في تاريخ الحضارة العربية.
دام حكم بني أميّة الذين أسسوا أول سلالة وراثيّة حاكمة في الإسلام، زهاء مئة سنة، إذ استمرّوا في الحكم من 660 م. حتى 750 م. وبفضل عدد من الخلفاء العظام، اتسعت حدود الدولة الإسلامية حتى بلغت السند شرقاً وجنوب فرنسا غرباً.

بيد أن الخلفاء الأمويين، وعلى الرغم من انشغالهم بإدارة شؤون امبراطوريّة مترامية الأطراف احتضنت في كنفها ثقافات وحضارات وتقاليد مختلفة، فقد أبقوا على الأواصر التي كانت تربطهم بالقبائل البدويّة التي كان لها شأن كبير في بسط سيطرتهم على تلك الأصقاع الواسعة. فكانوا لا يعزفون عن مغادرة العاصمة دمشق، ولا سيّما في أيام الربيع، لقضاء بعض الوقت على تخوم بادية الشام، متنقلين بين تلك القبائل، فيمضون أوقاتهم في الصيد برفقة شيوخها ويستمتعون بسماع شعرائها وقصّاصيها.
ورغبة في البقاء على اتصال بهذه القبائل، أقام الخلفاء على تلك التخوم مضارب صيد واستجمام، ما لبثت أن تحوّلت إلى مُستَقرّات مشيّدة بالحجر، تلعب دوراً متشعّب الوجوه. فكانت تلك المنشآت قصوراً وقلاعاً من جهة، ومراكز إنتاج زراعي وتجارة من جهة أخرى، بالإضافة إلى دورها في نشر نمط عيش مُدُني، كان من شأنه استجلاب البدو إلى التحضّر والاستقرار.

في هذا الإطار الحضاري وفي ظلّ تلك السياسة التي انتهجها خلفاء بني أميّة، أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك (705-715 م.) بإنشاء مدينة عنجر المحصّنة على بُعد نحو كيلومتر واحد إلى الجنوب الغربي من النبع المعروف بـِ "عين جرّا". ولتنفيذ مشروعه، استعان الخليفة بعدد من المهندسين والحرفيّين والصنّاع البيزنطيين والسوريين العارفين بتقاليد العمارة والزخرف القديمة الموروثة من أيام الرومان والإغريق. وقد استخرج هؤلاء الحجارة اللازمة للمشروع من عدد من المقالع المجاورة، كمقالع بلدة كامد اللوز، كما نقلوا أعدادً من العناصر البنائية الاخرى، كالأعمدة وقواعدها وتيجانها وتعتيباتها، من بقايا الأبنية الرومانيّة والبيزنطية التي عثروا عليها في الجوار، ولا سيّما من الموضع الذي كانت تقوم فيه مدينة "جرّا" القديمة. غير أن حياة عنجر لم تدُم طويلاً بعد وفاة مؤسسها. فقد دمّرها الخليفة مروان الثاني سنة 744، على أثر انتصاره على منازِعه إبراهيم بن الوليد في معركة دارت رحاها على مقربة منها. وما لبثت البلدة أن أخذت تتداعى حتى تحوّلت في القرن الرابع عشر إلى تلال من الأطلال والتراب وسط مساحات شاسعة من المستنقعات. وظلّت على هذه الحال حتى سنة 1943، عندما بدأت المديريّة العامة للآثار اللبنانيّة أعمال استكشافها.

وعلى الرغم من أن الحفريات الأثريّة وأعمال الترميم قد تناولت موقع عنجر منذ الخمسينات، فإن الموقع ما زال يحتفظ ببعض أسراره ولا سيّما من حيث علاقته بمدينة "جرّا-خلقيس" القديمة. ومن الملاحظ، من ناحية أخرى، أن مدينة الوليد لم تكن بعد قد اكتملت عندما دمّرها مروان الثاني، وهذا ما يظهر من خلال وجود أجزاء واسعة في داخلها لم يُعثر فيها على أيّة بُنىً من أي نوع كانت، اللهمّ إلا إذا كانت تلك المساحات تشكّل ما يمكن اعتباره حيّزاً من الخضرة أعدّ للتنزّه داخل أسوارها. يذكر أنّ قلعة عنجر تفتح أبوابها للزائرين يوميّاً، على مدار السنة، وعلى مقربة من الأطلال، يجد الزائر عدداً من المقاهي والمطاعم التي تقدّم له أشهى الاطباق اللبنانية والأرمنية، إضافة إلى سمك الترويت الطازج. ولا بدّ من الإشارة إلى أن عنجر تفتقر إلى الفنادق، لا سيّما وأن مدينة شتورة لا تبعد عنها أكثر من 15 كيلومتر.